حيدر حب الله
564
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
يقول بأنّه غيّر رأيه أو نظره أو اكتشف خطأه في المعلومة التي وصلته أو توصّل إليها ، بلا فرق في ذلك بين الأمور الحسيّة والحدسيّة ؟ الوجه الثاني : إنّ مجرّد وقوع هذا التنافي في كلام شخص واحد ، شاهد على أنّ شهادتيه لم تكونا معاً حسيّتين ، بل فيهما حدس ، ومن ثمّ فلا يعارض الإخبار الحسّي الآتي من الرجاليّ الآخر الذي لا تعارض في كلامه بنفسه « 1 » . وهذا الكلام يؤيّد مسلكنا في حدسيّة كلمات الرجاليّين في الجملة ، وقد جعلنا هذا أحد القرائن التي تساعد على إثبات دعوى من هذا النوع ، لكنّ الذي يقول بالحسيّة المطلقة مصرّاً عليها ، بإمكانه هنا فرض احتمال أنّ الطوسي في الشهادة الأولى اعتمد على شهادة حسيّة من شخص اعتبره ثقة نتيجة ظاهر الحال كما لو كان معاصراً له ، لكنّه وصلته بعد ذلك شهادة حسيّة من ثقةٍ بأنّ ذلك الشخص الذي وثّق له الراويَ هو بنفسه ضعيف ، فأخذ بالشهادة الثانية وترك الأولى دون أن نخرج من الحسيّة ، وهذا الاحتمال يمكن طرحه عند المصرّين على الحسيّة ، وإن كان في نفسه بعيداً بل يحتمل استبطانه للحدسيّة من الطوسي . ولابدّ أن نشير إلى أنّ هذا الاحتمال يضرّ الملتزم بالحسيّة هنا ، لأنّه يبني على أصالة الحسّ عند الاحتمال الذي من هذا النوع ، ولكنّه لا يضرّنا نحن النافين للحسيّة ، بعد كون طرفه الآخر راجحاً ، فيساعد على تشكيل قرينة على الحدسيّة ، مع بنائنا هناك على نفي أصالة الحسّ العقلائية المدّعاة . وبصرف النظر عن ذلك ، فإنّ صاحب الوجه الثاني بنى في حجيّة قول الرجالي على الحسيّة ، فلمّا سقطت الحسيّة في أحد الطرفين عنده ؛ لقيام القرينة على الحدسية - وهي نفس اختلاف رأي الرجاليّ الواحد - بقي إخبار الرجاليّ الآخر على حاله بلا معارض ، لكن لو
--> ( 1 ) انظر : المصدر نفسه : 125 ، وقد سلك هو في حجيّة قول الرجالي مسلك حجيّة خبر الثقة ، فانظر : المصدر نفسه : 39 .