حيدر حب الله

565

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

أخذنا بمسلك الحدسيّة أو الأعم منها ومن الحسيّة ، فإنّ هذا الوجه لا ينفع ، بل لابدّ من التفتيش عن مخرج آخر . وبعبارةٍ أخرى : هذا الوجه خاصّ ببعض النظريّات في حجيّة قول الرجاليّ لا جميعها . من هنا يبدو لي أنّ الصحيح معالجة القضيّة على الشكل الآتي : أوّلًا : إذا بيّن الطوسي علّة العدول ، بحيث تُلغي قيمة توثيقه الأوّل ، كان الحقّ أنّنا أمام معارضة توثيق واحد لتضعيف واحد ؛ لسقوط توثيق الطوسي عن الاعتبار في نفسه ، كما لو قال الطوسي : إنّني اعتمدت في التوثيق على رؤيا رأيتها أو على كتاب وصلني ، وعلمت بأنّه مزوّر حيث اعترف لي مزوِّره بذلك ، أو بيّن مستنده فيما عَدَل عنه وكنّا نرى نحن الخطأ في هذا المستند أيضاً . نعم لو تكرّر منه ذلك ارتفع احتمال خطئه في إفاداته عموماً ، وينبغي أن يلاحظ هذا في الإجمال . ثانياً : أنّ لا يكون الموقف على هذه الشاكلة ، فهنا : أ - إذا بنينا على أنّ قول الرجاليّ حسّي صرف ليس فيه أيّ إعمال لأيّ اجتهادٍ من قبله ، فهنا قد يقال بأنّ الأرجح تقديم كلام الطوسي المتأخّر ؛ إذ هذا معناه أنّه رأى منه معصيةً أو كذباً أفاد تضعيفاً ولم يكن ظاهراً له قبل ذلك ، أو أنّ الشهادة التي وصلته بتوثيقه انكشف له أنّ صاحبها ضعيف ولا يُعتمد عليه ، وشهد الآخرون بضعفه ، ولم تكن شهادتهم قد وصلته بعد ، فتقع المعارضة بين الكلام الأخير للطوسي وكلام النجاشي فقط ، ولا يدخل كلام الطوسي الأوّل طرفاً في المعارضة عقلائيّاً . ب - وأما مع القول بأنّ تقويمات الرجاليّين حدسيّة فقط أو أنّها مزيج مركّب من الحسية والحدسيّة معاً ، كما هو الصحيح ، فالعقلاء هنا لا يعتقدون بأنّ هناك ثلاث إفادات متساوية في درجة الكشف ، وإنّما تُلاحظ إفادتا الطوسي في قوّة إفادة تتوزّع قوّتها على إفادتَيه ، وتكون القوّة الاحتماليّة في إفادته الأولى أضعف من حيث درجة الكشف ؛ لأنّهم يحتملون أنّه التفت إلى خطأ كان وقع فيه ، وبهذا تكون الإفادة المتأخّرة زمناً أقوى في