حيدر حب الله
563
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
الطوسي مع نفسه ، فيبقى النجاشي بلا معارض ، أو نقول بأنّ هنا ثلاث إفادات هي : توثيقان مع تضعيف واحد ، أو نجعل كلام الطوسي الثاني ناسخاً للأوّل وكأنّه لم يكن ؟ طرح بعض المعاصرين وجهين للتوصّل إلى سقوط إفادتي الرجل الواحد ، وبقاء إفادة الثاني بلا معارض ، وهما : الوجه الأوّل : إنّه عندما يصدر من شخص واحد كلامين متنافيين ، فإنّ العقلاء لا يُجرون أصالة التطابق بين المراد الجدي والمراد الاستعمالي في كلامه ، ولا ينفون احتمال عدم إرادته ما هو ظاهر كلامه أو أحد كلاميه ، بأن يكون قد صدر خطأً مثلًا ، بل يكفي أن نشكّ هنا في أنّ العقلاء يتعاملون مع كلام الرجالي الواحد على أنّه شهادتين من رجاليّين أو على عدم ذلك ، وهنا تبقى شهادة الرجاليّ الآخر على الحجيّة بلا معارض « 1 » . ويمكن أن يناقش بأنّ هذه الطريقة الأصوليّة في المعالجة في غاية الغرابة عن الطبع العقلائي في قضايا من هذا النوع الذي نحن فيه ، فنحن لا نتكلّم في شخصٍ صدر منه كلامان في مجلس واحد ، ولا نتكلّم في نبيّ أو مرسل معصوم ، بل نتكلّم في حدثٍ تاريخي ، وهو صدور توثيق واضح الدلالة من شخصٍ في زمن مع صدور تضعيف منه نفسه في زمن آخر ، وهذا لا موجب فيه لاحتمال خطئه في التعبير أو لاحتمال عدم تطابق مراديه الجدي والاستعمالي ، فمثل هذه المقاربات لا يلتفت إليها العقلاء في مثل هذه الحالات ، ما لم تقم قرينة خاصّة . بل الأقرب في الاحتمالات هنا أنّه انكشف له شيء لم يكن منكشفاً له من قبل ، ودفعه للعدول عن رأيه . وإلا فهل يقبل هذا المعاصر - وهذا مجرّد مثال من باب الحدسيات - أن نقول بأنّه لو اختلفت مواقف العلامة الحلّي الفقهيّة مثلًا من كتاب إلى آخر ، فلابدّ أن نفرض أنّ العقلاء لا يرتّبون آثار تطابق المدلول التصديقيّ الأوّل مع الثاني في أحد الكلامين ؟ ! هل هكذا يتمّ التعامل مع النصوص المختلفة لشخصٍ واحد من العلماء ، أو
--> ( 1 ) انظر : تحرير المقال : 124 - 125 .