حيدر حب الله
56
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
دلالةً على متبوعيّة السابق الذي يكون الأوّل أيضاً من ناحية الزمان ، وجاءت بوصف المهاجرين والأنصار لتدلّ على أنّ السابقين في الخير والتقوى والكمال المعنوي موجودون في الأزمنة اللاحقة لكنّ الأوّلون منهم زماناً موجودون بين المهاجرين والأنصار ، فيكون التوصيف مساعداً على التحديد ، وبهذا نجمع بين السبق الروحي والأوّلية الزمنية ، ويكفي ذلك لإبطال الاحتمال الذي أثاره الفخر الرازي . 2 - إنّ المحاولة التعقيّلية التي ذكرها الرازي غير واضحة ؛ فنحن نقرّ بأنّ الهجرة والنصرة معانٍ سامية ، وتختزن الكثير من الدلالات الإيمانية والروحيّة ، لكنّ الهجرة والنصرة لا تعنيان السبق بالضرورة ، ومجرّد التقدّم الزمني في الهجرة لا يعني أنّه أوّل القوم وسابقهم ، فإنّ هذا يتصوّر عندما يكون التنافس الاختياري على الهجرة ، أما عندما يقف جميع المسلمين على الهجرة ، لكن يصادف من الناحية الزمنيّة - ولضرورات تقنيّة تستدعيها طبيعة الخروج من مكّة - تقدّم خروج زيد على عمرو ، فأيّ دلالة عقليّة أو اعتبارية على أحسنيّة الخارج الأوّل ؟ ! خاصّةً لو كان تأخّر الخارج لسبب نبيل كمبيته في فراش الرسول أو حمايته للنساء المسلمات . 3 - لنفرض جدلًا صحّة ما قاله الرازي ، لكنّ الغريب أنّه جعل أبا بكر أوّل المهاجرين ، مع أنّه ليس كذلك ، ففي المرويّات التاريخيّة أنّ النبيَّ لم يكن في الدفعة الأولى المهاجرة ، وقد عدّ بعضهم مصعب بن عمير أوّل المهاجرين ، وعدّ بعضهم أبا سلمة بن عبد الرحمن في الذكور ، وزوجته أم سلمة ، وذكروا أنّ الثاني كان عامر بن ربيعة حليف بني عدي بن كعب ، ثم عبد الله بن جحش ، وعثمان بن مظعون ، وعمار بن ياسر ، ويقول الذهبي بعد هذا : « ثم خرج عمر وعياش بن أبي ربيعة » ، وهناك ترتيب آخر أيضاً ذكروه « 1 » .
--> ( 1 ) راجع : الطبراني ، الأوائل : 55 ، 112 ؛ وانظر : الاستيعاب 3 : 939 - 940 ؛ وتفسير السمعاني 6 : 189 ؛ والجامع لأحكام القرآن 19 : 272 ؛ وأسد الغابة 3 : 80 ، 196 ، و 5 : 516 ؛ وتاريخ الإسلام 1 : 311 - 316 ؛ والبداية والنهاية 3 : 207 ؛ وإمتاع الأسماع 14 : 56 ؛ واليوسفي ، موسوعة التاريخ الإسلامي 1 : 618 ؛ وابن هشام ، السيرة النبويّة 2 : 321 ؛ وابن كثير ، السيرة