حيدر حب الله
51
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
فهل هذا يعني أنّه هو اكتشف صلاحهم وشهد بعدالتهم أو أنّ كلامه مقيّدٌ بإخلاصهم ، وعلينا نحن أن نُثبت إخلاصهم من الخارج لا من إطلاق كلامه وعمومه ؟ ! يُضاف إلى ذلك أنّ في الآية مقطعين أحدهما السابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار ، وثانيهما من اتبع هؤلاء ، ومن الملاحظ أنّ الآية قيّدت التابعين بأن يتّبعوا بإحسان ، ولم نجدها تقدّم مثل هذا القيد في السابقين ، وهذا يدلّ على أنّ السابقين محرزٌ فيهم جميعاً هذا القيد دون التابعين مما اضطرّ إلى ذكر قيد الإحسان في التابعين دونهم ، وهذا كاشفٌ عن تحقّق مثل الإخلاص فيهم . قد تقول - كما ذكر الشيخ المفيد « 1 » - : إنّ ( بإحسان ) ليست شرطاً أو قيداً في الاتباع ، وإنما هي وصف له ، فالإتّباع لأولئك حسنٌ ، لا أنّ الاتباع لهم منه حسنٌ وغير حسن ، وقيّدت الآية بالإتّباع الحسن لهم . كما أنّه من الممكن أن يكون القيد لهما معاً ، واكتفي بذكره في التابعين للاختصار بعد اقترانهما ببعضهما في الآية الكريمة . ويمكن أن نجيب بأنّ الإحسان ظاهرٌ في القيديّة ولو المستبطنة في التوصيف ، وأصالة الاحترازيّة في القيود تدعم ذلك ، ولا يمكن عود الجار والمجرور إلى كلّ من اسم الفاعل ( السابقون ) والفعل ( اتبعوهم ) ، فيرجع إلى الأقرب ، وأما تقدير وجوده في الأوّل فهو صحيح ، لكنّنا بيّنّا أنّ المتكفّل لوجوده هو المولى بفعل عدم ذكره قيداً وترتيب الرضا عليه ، مع أنه ذكر خصوصيّة الإحسان . وحتى لو لم يكن الإحسان قيداً بل كان وصفاً ، لكان معناه حُسن اتّباع هؤلاء مطلقاً ، وحيث لم يذكر قيداً ورتّب الرضا عليه كان أوضح في الدلالة على الرضا بجميعهم ، لا أنّنا بحاجة إلى إثبات قيد من الخارج ، فمثلًا آية : ( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ . . ) هي بنفسها تثبت مكانة ذلك المتصدّق في ركوعه ، لا أنّنا بحاجة للاستدلال بها إلى إثبات إخلاصه في التصدّق ثم الاستعانة بها ؛ فالمولى هنا يُبرز الاتّصاف
--> ( 1 ) الإفصاح : 81 - 82 .