حيدر حب الله

43

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

اتصاف بلحاظ مجمل حالهم في الدنيا ، وإخبار عن أنّهم لن يرتدّوا ولن يفسقوا ، ولهذا كانت لهم الجنّة لأنّهم آمنوا وعملوا الصالحات في مجمل حياتهم حتى وفاتهم . وإلا فالأصحّ أنّ الأمور بخواتيمها فلو وصفتُ شخصاً توفّي ، فلا أصف بضعة سنوات صالحة من عمره وأقول : هو متديّن صالح ، مع علمي بأنّ بقية عمره كان فيها مرتدّاً فاسداً . وأما قضيّة عدم الوعد دون تقيّد بالإيمان والعمل الصالح فهذا صحيح ؛ لكن المفروض أنّ هذا الوعد تعلّق بمن بُيّنَ حالُه في مطلع الآية ، وهو من اتصف بصفاتٍ تستبطن الإيمان والعمل الصالح ، فلا وعد للصحابة مطلقاً ، وإنّما بالإيمان والعمل الصالح ، والمفروض تحقّقهما بمقتضى إخبارات مطلع الآية الكريمة نفسها ، فهذا تماماً كعلم الله المسبق بأفعالنا من حيث كونه لا يفضي إلى سلبنا الاختيار . هذا ، وقد حاول المفسّرُ الطبري أن يرجع ضمير « منهم » إلى معنى الشطء الوارد في مثل أصحاب النبيّ في الإنجيل ، على أساس أنّ المراد كلّ من يدخل في دين محمّد إلى يوم القيامة بعد الجماعة التي جاء وصفها ، فتكون ( من ) تبعيضيّة دون أن تحدث تبعيضاً في الصحابة أنفسهم « 1 » . إلا أنّ هذا الإرجاع في الضمير خلاف الظاهر من الآية الكريمة التي وقعت كلّها في سياق الحديث عن صحابة النبي ، فعود الضمير إلى فرع جزئي متضمّن في معنى الشطء غير ظاهر منه ، يحتاج إلى شاهد وقرينة . وقد احتمل الفخر الرازي - بعد أن تبنّى كون ( من ) لبيان الجنس - أن تكون ( من ) هنا للتبعيض ، لكن الضمير المتصل بها عائد إلى الكفّار الذين ذكروا قبلها ( لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ) ، فيكون المعنى : إنّ الله وعد الذين آمنوا من هؤلاء الكفار مغفرةً ، وأمّا من لم يؤمن فله جهنّم « 2 » .

--> ( 1 ) انظر : جامع البيان 26 : 149 . ( 2 ) انظر : التفسير الكبير 28 : 109 .