حيدر حب الله

44

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

وهذا الكلام أبعد - على مستوى الظهور العرفي - من سابقه ، ولو كانت هذه الطريقة سليمة ، لأمكن اختراع مراجع عديدة للضمير ! فالمفترض أخذ السياق كلّه ، وما هي الآيةُ بصدده وتريد أن تركّز عليه ، وليس إلا الذين مع محمّد ، فإنّ الضمائر عادةً ترجع إلى النقطة المحوريّة أو النقاط المركزيّة في النصّ ، والتي يدور الحديث عنها ، إمّا إرجاع الضمير إلى أيّ نقطة في النصّ لا تمثل أساساً محوريّاً فهذا يحتاج عادة إلى مقاربة سياقية أو قرينة معيّنة كالجملة المعترضة أو نحو ذلك ، وإلا فلماذا لا نقول بأنّ الضمير في ( والذين معه ) يرجع إلى الله ، في قوله تعالى : ( محمد رسول الله ) ؟ ! وفي محاولةٍ أخرى ، سعى القرطبي - في أحد المعاني التي طرحها - للتأكيد على أنّ ( من ) هنا مؤكّدة ، لا تبعيضيّة ولا للجنس ، فكأنّ الآية تريد التأكيد على أنّ كلّ مؤمن وعامل للصالحات من الصحابة له وعدٌ خاصّ بالمغفرة غير الوعد العام الذي لمطلق المؤمنين ، وهذا مثل قوله تعالى : ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ ) ( الإسراء : 82 ) ، فهو تأكيد للشفاء في كلّ حرف في القرآن ، لا أنّ بعض القرآن شفاء « 1 » . أما الشيخ ابن تيميّة الحراني ، فاعتبر أنّ ذكر الإيمان والعمل الصالح إنما جيء به في نهاية الآية للتأكيد على أنّ معيار الجنّة والمغفرة هو الإيمان والعمل الصالح ، حتى لا يتوهّم أحدٌ أنّ مجرّد الاتصاف بما مرّ من صفات هو الذي أوجب دخولهم الجنّة ، فذكر ذلك مع أنّ كلّهم متصفٌ بالإيمان والعمل الصالح « 2 » . إلا أن هذا المعنى غريب ، فإنّ هذه الأوصاف التي ذكرت في مطلع الآية دالّة على الإيمان والعمل الصالح دلالة مستبطنة واضحة ، بل إنّ الإيمان مفروغٌ عنه فيها ، ولعمري لو لم يُذكر هذا الذيل في الآية ، هل كان يُدّعى أنّ مطلَعها إلى قوله ( لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ )

--> ( 1 ) الجامع لأحكام القرآن 16 : 296 ؛ وانظر : الصادقي الطهراني ، الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن 27 : 216 . ( 2 ) انظر : دقائق التفسير 2 : 112 .