حيدر حب الله

42

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

فتكون ( من ) بيانيّة بلا مانع ، تماماً كقولنا : ( الذهبُ مادّة مفيدة للجسم ، وقد اشتريت خاتماً منه ) ، فإنّ الضمير حيث عاد إلى الذهب ، أيّ مانع من كون ( من ) هنا بيانيّةً ، بلا وجود تلك الإشكاليّة التي أثارها المحقّق البلاغي . ويحاول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي أن يقدّم تفسيراً قريباً ، لكن بطريقة أخرى ، فيرى أنّ تكرار ذكر هذه الأوصاف مع أنّها مستبطنة فيما مضى ، ما هو إلا إشارة إلى جانب الاستمرار ، فكأنّ آخر الآية يريد أن يقول لكلّ أولئك المتّصفين بالصفات السابقة بأنّكم موعودون بالمغفرة إذا استمرّيتم على الإيمان والعمل الصالح ، أما إذا لم تستمرّوا عليهما معاً فلا يشملكم هذا الوعد . من هنا التزم الشيرازي بتبعيضيّة ( من ) بلحاظ الاستمرار الزمني ، لا بملاحظة الأصل ، رافضاً كونها بيانيّة ؛ لأنّ ذلك خلاف الظاهر ، بل خلاف القرائن العقليّة ؛ إذ لا أحد يدّعي عصمة جميع الصحابة ، فيطرأ احتمال الكفر أو المعصية في المرحلة اللاحقة ، ومعه كيف يعدهم الله بما وعدهم به دون تقييد بالإيمان والعمل الصالح ؟ ! « 1 » . والملاحظة التي تسجّل على محاولة الشيرازي ، تكمن في عدم وجود أيّ إشارة لقيد الاستمراريّة ، وأنّ هذا القيد هو بعينه ما أريد من التبعيض في كلمة ( منهم ) ، فلا ظهور في الآية في أنّ مطلعها كان بملاحظة الحدوث ، فيما ذيلُها كان بلحاظ الاستمرار ، بل الظاهر أنّ الجميع كان بملاحظة الاتصاف . وإذا كانت الجنّة والرحمة والمغفرة مأخوذةً بقيد الإيمان والعمل الصالح بنحو الاستمرار دون رِدّة فإنّ هذا يؤخذ في كلّ فقرات الآية ، بقرينة ورود توصيفهم في التوراة والإنجيل ، إذ هل من المعقول أن يبشّر الإنجيل والتوراة ، ثم يتبيّن أنّهم ارتدّوا أو انحرفوا ، أو أنّ المناسب أن يكون التوصيف بملاحظة مجمل حالهم في الدنيا ؟ ! وفي تقديري ، حتى لو لم يرد ذيل الآية ، فإنّ مطلعها شاهد على أنّ هذا الاتصاف

--> ( 1 ) انظر : الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل 16 : 499 .