حيدر حب الله

316

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

أكثر الثقة أو الثقات الرواية عن شخص ، كان ذلك دليل وثاقته ، ويستدلّ له بعدّة أمور : 1 - إنّ كثرة الرواية عن الضعفاء كانت من موجبات الطعن والتضعيف ، وقد ورد الغمز في بعض الرواة من ناحية أنّهم كانوا يكثرون من الرواية عن الضعفاء ويعتمدون المراسيل ، كما ورد في حقّ أحمد بن محمد بن خالد البرقي ، بل إنه أخرج من قم لذلك ، ومع هذا الوضع التاريخي يبعد أن يروي الثقة كثيراً عن غير الثقة دفعاً للتهمة عن نفسه « 1 » . والجواب : إنّ الطعن أتى من الرواية عن الضعيف لا عن مجهول الحال ، وقد ميّزنا غير مرّة بين هذين الأمرين نظريّاً وواقعيّاً . أضف إلى ذلك أنّ هذا التشدّد - لو سلّمنا وجوده - لم نجده سوى عند أحمد بن محمد بن عيسى وعند النجاشي وابن الغضائري ، ولا يُعلم وجود هذه الظاهرة عند غيرهم ، فقد اعتمد الصدوق والمفيد وغيرهما آلاف المراسيل ولم يُخل ذلك بمكانتهم ، ولا يوجد دليل على أنّ هذه الظاهرة كانت عامة ، كيف ولو نَظَرت في كتب المحمّدين الثلاثة لوجدت آلاف المراسيل ، فضلًا عن كتب الكثير من علماء الحديث السنّة ، فلا يُحرز أنّ مدرسة سمرقند أو نيشابور أو بغداد وأمثالها كانت عندها هذه الظاهرة . أضف إلى ذلك أنّنا نتحدّث عن شواهد على هذه الظاهرة ترجع إلى القرن الثالث إلى الخامس ، ولا يوجد أيّ معلومة تؤكّد وجود هذه الثقافة في القرنين الهجريّين الأولين حتى نعمّم ، فالمسألة في غاية الإشكال . وسيأتي مزيد توضيح . بل إنّ إخراج البرقي من قم لم يُعلم أنّه كان لأجل الرواية عن الضعفاء فقط ، بصرف النظر عن مضمون الروايات المنقولة ، فقد نقل الكشي : أنّ الحسين بن عبيد الله القمي اخرج من قمّ في وقت كانوا يخرجون منها من اتهموه بالغلوّ « 2 » . 2 - إنّ كثرة نقل الثقة عن شخص لا معنى لها إلا اعتقاده بوثاقته ؛ لأنّه لو لم يكن

--> ( 1 ) انظر : كلّيات في علم الرجال : 350 . ( 2 ) رجال الكشي 2 : 799 .