حيدر حب الله
317
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
معتقداً بها لكان نقله لغواً ومرغوباً عنه ، فقلّة النقل قد يمكن تفسيرها بإرادة حشد النصوص وتعضيد الروايات ، أما مع الكثرة فهذا الأمر منتفٍ ، بل هو عمل سفهيّ لا يصدر من عاقل « 1 » . والجواب عن ذلك : أوّلًا : إنّ كثرة النقل وقلّته متصوّرة ؛ فليس عدم إحراز الثقة لوثاقة المرويّ عنه دليل إحرازه لكذبه وضعفه ، فقد لا يعرف عنه شيئاً أو يتردّد في أمره ، فيرى أنّ المصلحة في نقل رواياته حذراً من ضياعها مع احتمال صدق ولو بعضها ، فهذا تبريرٌ معقول ينفي اللغويّة ، كيف وقد أكثر الطوسي الرواية عمّن ضعّفه بنفسه في رجاله وغيره ، ولو بالواسطة ، فأيّ فرق بين الواسطة وعدمها في اللغويّة المذكورة ؟ كما أكثر الصدوق الرواية المرسلة فأيّ فرقٍ بينها وبين الرواية عن مجهول الحال ؟ ! وإذا قلت لي بأنّهم قاطعون بصدور الحديث ، قلنا : لعلّهم قاطعون بالصدور هنا مع مجهوليّ الحال ؛ لقرائن أو لتعددّ الطرق والشواهد والمتابعات . ثانياً : إنّ هنا نقطةً مهمّة جداً ، وهي أنّ الثقة - أو الثقات - قد يقتنع بصدق الراوي في الأحاديث التي نقلها هو عنه ، نظراً لاحتفافها بقرائن ، أو لوجود شواهد لها تؤيّد الفكرة التي أتت هذه الروايات لأجلها ، وهذا لا يعني أنّه يراه ثقةً مطلقاً ، حتى نأخذ برواياته لإثبات أنّه وثّقه بالمطلق ، وإنّما هذا تصحيحٌ لرواياته بالقرينة الخارجيّة وليس توثيقاً لشخصه ؛ وفي مثل هذه الحال كيف يمكن القول بالوثاقة حتى نأخذ بذلك لتصحيح رواية أخرى لم ينقلها هذا الثقة عنه ؟ ومثال ذلك : أن يذكر الكليني مائة رواية لشخص في كتاب الكافي ، وعندما نتتبّع هذه الروايات نجد أنّه إلى جانبها في كلّ مواردها ثلاث أو أربع روايات أخرى تتفق معها في المضمون ، وفي هذه الحال كيف نعرف أنّ الكليني وثّق هذا الراوي مطلقاً ؟ إذ لعلّه اختار
--> ( 1 ) انظر : كلّيات في علم الرجال : 350 .