حيدر حب الله

305

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

وهذا متفرّع على حُسن النقل والضبط ، فلا يثبت الوثاقة ، بل يفترضها في مرحلةٍ سابقة « 1 » . وهذا الإيراد في محلّه ، لا سيما وأنّ الرواية أردفت بالحديث عن علاقة الفقه بالتحديث ، بمعنى أنّ التحديث من علامات الفقاهة ، ومن الواضح أنّ التحديث الذي يقوّم فقاهة الفقيه هو التحديث الصادق الضابط المنطلق من فهم الحديث لنقله بمعناه أو ضبطه بشكل صحيح . وبعبارة أخرى : إنّ وصف المحدَّث - بصيغة اسم المفعول - لا يُطلق في العادة إلا على من حدّثته الملائكة وأمثال ذلك ، ولهذا استغرب الراوي لما قال له الإمام الصادق بأنّ بعض الشيعة محدَّثون ، فشرح له الإمام معنى التحديث ، وأنّه ليس بالمعنى الذي يفرض اتصال الملائكة وغيرهم به ، بل بمعنى أنّه يُرزق الفهم والوعي والبصيرة والإدراك لما ينقل ، وهذا ما يجعل هذه الرواية متصلة بشؤون الفقه والفقاهة أكثر من اتصالها بشؤون الحديث والرواية ، بمعنى أنّ منزلة الرجل تكون بقدر إحسانه في الرواية عن أهل البيت ، وهذا الإحسان مقرونٌ بالفهم والوعي ، فكلّما كان واعياً لما ينقل كان أصوب وأدقّ وأفقه وأقرب إليهم ، ولعلّ هذا الحديث يتصل بشكلٍ من الأشكال بمسألة الفقاهة والنقل بالمعنى ، وبدور الفقاهة والفهم في دقّة الرواية وسلامتها من حيث النقل ، وهذا ما يجعل السياق أجنبيّاً عن مسألتنا هنا . ولعلّ ما يؤيّد ما نقول خبر بريد الرزاز ( زيد الزراد ) ، عن أبي عبد الله الصادق ، قال : قال أبو جعفر : « يا بُنيّ ، اعرف منازل الشيعة على قدر روايتهم ومعرفتهم ، فإنّ المعرفة هي الدراية للرواية ، وبالدرايات للروايات يعلو المؤمن إلى أقصى درجات الإيمان ، إني نظرت في كتابٍ لعليّ عليه السلام فوجدت في الكتاب أنّ قيمة كلّ امرءٍ وقدره معرفته ، إنّ الله تبارك وتعالى يحاسب الناس على قدر ما آتاهم من العقول في دار الدنيا » « 2 » . ولعلّ ما يؤيّد هذا التفسير أنّ الرواية جعلت منزلة الشخص بقدر روايته ، وهذا كما

--> ( 1 ) أصول علم الرجال : 496 . ( 2 ) الصدوق ، معاني الأخبار : 1 .