حيدر حب الله

306

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

يصدق في جانب الكثرة يصدق في جانب القلّة ، فيصبح المعنى أنّ من كان قليل الرواية فهو قليل المنزلة عندنا ، ومن كان كثير الرواية فهو كبير المنزلة ، وهذا خلاف الواقع ، فهناك العديد من الرواة من المقلّين لكنّهم من أقرب المقرّبين كعمار بن ياسر وغيره ، والعكس صحيح ، الأمر الذي يعزّز أنّ نظر الروايات هنا لجانب الفقاهة وأمثالها لا لجانب عدد الروايات ، بحيث تريد أن تبيّن أنّ هذا الشخص فقيه فاهم مطّلع على أمورنا ، ولهذا فهو قريب منّا وله منزلة عندنا ، بخلاف غير الفاهم وغير المدرك فإنّه أبعد عنّا على مستوى جانب الفقاهة والفهم والعلم . رابعاً : إنّ الحديث الثاني خاصّ بالشيعة ولا يشمل مطلق الرواة ، بينما الحديث الأوّل والثالث ورد فيه تارة تعبير الرجال وأخرى تعبير الناس . خامساً : يُضاف إلى ما تقدّم أنّ هذه الروايات الثلاث تهدف إلى تحديد منزلة الراوي لا وثاقته ، فليست بصدد الحديث عن وثاقة الراوي أو حسنه في نفسه ، وإنما عن منزلته ، فكأنّها تتحدث عمّن اكتملت الصفات الأوّلية فيه ليُنظر في مكانته تماماً كما نتحدّث عن أعلم الفقهاء ، فإن هذا يفترض سلفاً أنّه فقيه قد ثبتت فقاهته في المرحلة السابقة وأنّنا بصدد أخذ علامات تثبت أعلميّته ، فليس غرض هذه الروايات هنا أن تُثبت الصفات الأوليّة في الرواة ، وإنما أن تثبت مكانة الراوي الحائز على الشروط الأوليّة « 1 » . وهذا التفسير المحتمل يجمع بين الجانب العقلائي الأوّلي وبين دلالة هذه النصوص بحيث لا يُبديها غير عقلائيّة . سادساً : يُضاف إلى ذلك كلّه احتمال غير مستبعد هنا ، بصرف النظر عمّا تقدّم ، وهو اختصاص هذه النصوص بالرواية المباشرة عن الأئمّة ؛ لأنها تريد أن تربط بين كثرة الرواية والمنزلة والعلاقة ، فكأنها تقول : اعرفوا منازل الناس بقدر تلمّذهم علينا وأخذهم العلم

--> ( 1 ) بعد أن طرحتُ هذا الاحتمال وجدت ما يشير إليه في كلمات السيد الفاني في بحوث في فقه الرجال : 162 ، فاقتضى التنبيه .