حيدر حب الله
287
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
مثل الإجازات التيمّنية عند المتأخّرين المتصلة بكتاب الكافي أو صحيح البخاري مثلًا ، لا يُهدف منها تبرير العمل بروايات ذلك الكتاب ؛ لمعلوميّة نسبته إلى أصحابه . الحالة الثانية : أن يطلب المستجيز الإجازة لرواية كتابٍ لا تُعلم نسبته إلى صاحبه إلا عبر هذه الإجازة نفسها ، بحيث لولاها لصار الكتاب ضعيفاً ؛ ففي مثل هذه الحال يكون طلب الإجازة دليلًا على توثيق المستجيز للمجيز أو ثبوت وثاقته « 1 » . والجواب - بصرف النظر عن صعوبة تحديد أنّ شيخ الإجازة هذا هل صار شيخ إجازة بالطريق الأوّل أو الثاني بحالتيه ، وصعوبة معرفة رأي المستجيز في الكتاب ، هل كان عنده ومن وجهة نظره مشهوراً معلوم النسبة إلى صاحبه أو لا ، وبصرف النظر عن أنّ هذا الدليل لا يُثبت وثاقة مشايخ إجازة مثل الصدوق الذي اعتقد باشتهار كتبه « 2 » - أنّ مجرّد طلبه الإجازة ، مع عدم ثبوت ضعفه عنده بدليلٍ ، لا يساوق توثيقه له ؛ إذ من الممكن أنّه يعتقد أنّ جمع الطرق إلى الكتاب من مصادر متعدّدة ، مع اتحاد النسخ ، يحصّل الوثوق تماماً كالخبر المتواتر أو الموثوق بصدوره لتعدّد الطرق ولو لم تكن كلّها سليمة ، وما أكثر ما يقع ذلك ، لا سيما وأنّ المتقدّمين كانوا يعتمدون منهج الوثوق ، لا أقلّ إلى جانب منهج الوثاقة ، فمجرّد الاستجازة ليس دليل توثيق . وبعبارةٍ أخرى : إنّ طريقة المتقدّمين المعروفة كانت تقوم على تحصيل إجازات وسماعات من مختلف الشيوخ للتوفّر على طرقٍ كثيرة متعدّدة للرواية ، وهذه خاصية إضافيّة نوعيّة في المحدّث ، أنّه يتمكّن من الوصول إلى أحاديثه عبر طرق متنوّعة ، وهذا ما يجعله ينفتح على تنوّع المشايخ مهما كانت قيمتهم عنده ، خاصّةً وأنّ بعض المشايخ الذين قد لا تثبت وثاقتهم عنده محترمون عند غيره أو عند بعض المذاهب أو التيارات التي
--> ( 1 ) انظر : الكلباسي ، الرسائل الرجاليّة 4 : 142 - 170 ؛ وكليات في علم الرجال : 335 - 341 ، وإن لم يتبنَّ الكلباسي هذا الرأي نهائياً . ( 2 ) وهذا كلّه - عندما نضيفه لما جاء في نفس هذا الدليل - يصلح أيضاً لردّ جملة من الأدلّة الأخرى المتقدّمة والآتية ، فتأمّل ولاحظ .