حيدر حب الله
288
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
يختلف هو معها ، فيحصل على إجازته كي يروي الرواية بطرقه التي يمرّ بعضُها بهذا الشيخ ، وهذا ما يجعل رواياته أكثر قوّةً في دائرةٍ أوسع بين تيارات المحدّثين العقديّة والفقهيّة وغيرها . ألا ترى كيف أنّ أهل المذاهب كثيراً ما كانوا يأخذون الحديث من شيوخ المذاهب الأخرى رغم كونهم غير مقتنعين بهم في بعض الحالات ؟ فالمحدّثون القدامى لم يكن منهج عملهم على مسألة الحجيّة بالمعنى الأصولي ، وإنّما كانوا يعتمدون في قوّة المحدّث على تنوّع طرقه وتعدّدها أيضاً ، بل في بعض الأحيان قد يهتمّ لهذا الطريق المعيّن لكونه عالي الإسناد وقريبه ، من حيث قلّة الوسائط فيه رغم عدم ثبوت وثاقة أحد أفراده ، وهذه كلّها خصائص نافعة للمحدّث ، بخلاف الأصولي والفقيه الذي قد يهمّه أصل الحجيّة في الحديث فقط وفقط عادةً ، ولهذا نجد النجاشي يتحرّز عن الرواية عن الضعيف وفي الوقت عينه لا يمانع من الرواية عنه إذا كانت هناك واسطة بينه وبينه كما تقدّم ، فلو كان المعيار هو الحجيّة الأصوليّة لم يكن لهذا الكلام معنى ، وهو ما يستكشف منه أنّ معايير المحدّثين لا تتطابق تماماً مع معايير الأصوليّين والفقهاء . الدليل السادس : ما ذكره الوحيد البهبهاني ، من أنّ المستجيز إذا لم يكن ممّن يطعن على الرجال في روايتهم عن المجاهيل والضعفاء لم تكن استجازته لشيخه دليل توثيق له ، إذ قد يكون هو بنفسه ممّن يروي عن الضعفاء ، أما إذا كان ممّن يطعن على الذين يروون عن الضعفاء والمجاهيل ، فإنّ استجازته لشخص وأخذه الإجازة منه دليل توثيق حتماً ، إذ كونه من الطاعنين لا سيما مع كونه مشهوراً ، كيف يكون شيخ إجازته ضعيفاً أو مجهولًا ؟ ! « 1 » . ويجاب عن هذا : أوّلًا : إنّنا في هذه الحال نرجّح أنّ هذا الشيخ ليس ضعيفاً عند المستجيز ، أما كونه ثقةً فهذا غير واضح ؛ وذلك لما قلناه سابقاً من أنّ كلمة ( مجهول ) عند المتقدّمين تحتمل جداً أن يكون المقصود منها الشخص النكرة الذي لا معلومات عنه .
--> ( 1 ) انظر : الوحيد البهبهاني ، الفوائد الرجاليّة : 45 ، وتعليقة على منهج المقال : 25 .