حيدر حب الله

168

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

العصور الأولى ، وأظنّ في مواجهة الخوارج وبعض الزيدية والإسماعيليّة والإماميّة الذين شاد - ولو بعضهم - مفاهيمه على الطعن في بعض الصحابة . كما يمكن تقديم تفسيرات سيكولوجيّة لظهور فكرة عدالة الصحابة أيضاً ، وهي الرغبة الدينيّة عادةً بتقديس المراحل الأولى للعمل الديني وتحييدها عن المستويات المتدنّية التي حصلت لاحقاً ؛ لأنّ ذلك يعطي مزيداً من الطمأنينة الروحيّة ، فإنّ هذه الطمأنينة تبرز عادةً إمّا بتقديس السابق ؛ إذ لا مجال لمحاكمته بعد غيابه ، أو بافتراض وجود مرحلة لاحقة سيعمّها الوئام والعدل وتطبيق الدين الحقيقيّ ، فالعامل النفسي قادر على تكوين هذين المفهومين ، دون أن يعني ذلك بطلانهما ، وإنّما إشارة إلى رفض استبعاد المنشأ غير الديني لهما ، من حيث المبدأ . إنّ الوقائع التاريخيّة كانت ثقيلة ومكثفة جداً إلى حدّ أنّه ليس من السهولة تخطّيها أو التلاعب بها ، ففي نصّ بالغ الأهميّة في تقديري يصرّح سعد الدين التفتازاني ( 793 ه - ) بالآتي : « إنّ ما وقع بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ ، والمذكور على ألسنة الثقات ، يدلّ بظاهره على أنّ بعضهم قد حاد عن طريق الحقّ ، وبلغ حدّ الظلم والفسق . وكان الباعث له الحقد والعناد ، والحسد واللداد ، وطلب الملك والرئاسة والميل إلى اللذات والشهوات ، إذ ليس كلّ صحابيٍّ معصوماً ، ولا كلّ من لقي النبيَّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالخير موسوماً ، إلا أنّ العلماء لحُسن ظنّهم بأصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، ذكروا لها محامل وتأويلات بها تليق ، وذهبوا إلى أنّهم محفوظون عما يوجب التضليل والتفسيق ؛ صوناً لعقائد المسلمين عن الزيغ والضلالة في حقّ كبار الصحابة ، سيّما المهاجرين منهم والأنصار ، والمبشرين بالثواب في دار القرار . وأمّا ما جرى بعدهم من الظلم على أهل بيت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فمن الظهور بحيث لا مجال للإخفاء ، ومن الشناعة بحيث لا اشتباه على الآراء ؛ إذ تكاد تشهد به الجماد والعجماء ، ويبكي له من في الأرض والسماء ، وتنهدّ منه الجبال ، وتنشق الصخور ، ويبقى سوء عمله على كرّ الشهور ومرّ الدهور ، فلعنة اللّه على من باشر ، أو رضي ، أو سعى ،