حيدر حب الله

148

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

لكنّ هذه المحاولة غير واضحة ؛ فلعلّ الجرم الذي فعلوه بعد وفاة النبيّ كان عظيماً ، وذنبهم كبير جداً حتى حيل بين النبيّ وبين الشفاعة ، ولا دليل على أنّ النبيّ لابدّ أن يشفع بالضرورة لكلّ مذنبي أمّته ، فهذا الإطلاق غير واضح ، وقد يقال بأنّ الانقسام الذي فعله بعض الصحابة بالأمّة المسلمة كان كبيراً سبّب تشظّي الأمّة إلى يومنا هذا ، فلعلّ خطورة الحدث استثنتهم من الشفاعة ، فلم يقدر النبيّ على أن ينالهم بشفاعته . ولا موجب لحمل تعبير الارتداد على المعنى الفقهي ، بل يُحمل على المعنى اللغوي وهو الرجوع والتخاذل والتخلّف ، بل لو كان المراد هنا أهل الردّة ، فهذا معناه أنّ بعض الصحابة قد ارتدّوا بعد النبيّ ، فإذا جوّزنا أن يرتدّ صحابيٌّ ( والحديث يعبّر بأصحابي ) بعد النبيّ ، ألا يكون ذلك خَرْقاً لقانون عدالة الصحابة ؟ ألا يعني أنّه يمكن أن يفسُق الصحابي بعد النبيّ ؟ ! وهل هناك فرقٌ بين الأمرين ؟ ولماذا جاز الأوّل ولم يجز الثاني ؟ ! المحاولة الثانية : إنّ التصغير الوارد في الحديث « فيه إشارة إلى قلّة عدد من وقع لهم ذلك ، وإنما وقع لبعض جفاة العرب ، ولم يقع من أحدٍ من الصحابة المشهورين » « 1 » . وهذا الكلام غير دقيق ؛ وذلك : أوّلًا : إنّ الحديث لم يرد بلفظ ( أصيحابي ) فقط ، بل ورد كثيراً أيضاً - كما تقدّم - بلفظ ( أصحابي ) ، فلا داعي لحصر البناء على إحدى الصيغتين ، بل لابدّ من تقديم جواب عن الصيغة الأخرى والموقف منها . ثانياً : سلّمنا ، لكنّ التصغير الذي فهم منه التقليل ، لا يلازم كون أولئك الأصحاب من جفاة العرب دون مشهوري الصحابة إلا بمقدّمة خارجيّة ، وإلا فالحديث من حيث ذاته يفيد انحراف عدد - ولو قليل - من الأصحاب عن جادّة الحق بصرف النظر عن تحديدهم ، فتتساوى نسبته إلى المشهورين من الصحابة وغيرهم . لكنّ الإنصاف أنّ ( أصيحاب ) جمع ( أصيحب ) ، فالتقليل في الصحابي والصحبة ، لا في

--> ( 1 ) فتح الباري 8 : 215 ، وانظر : المصدر نفسه 11 : 333 ؛ وعمدة القاري 15 : 243 .