حيدر حب الله
139
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
الصورة التي نسجناها نحن عن الصحابة لاحقاً ؟ هنا يكمن التساؤل . . حاول تصوّر المشهدين ثم احكم بنفسك . وحاول أن تتلقّى الصورة القرآنيّة هنا بعيداً - في هذه المرحلة - عن دليل تعديل الصحابة ، لترى أنّ هذه المجموعة من الآيات لا تصوّر لنا المجتمع المسلم الأوّل بتلك المثابة التي تصوّرناها لاحقاً ، فلو أنّك قرأت هذه النصوص المتقدّمة هل ستستبعد أنّ بعض الصحابة كَذَبَ على النبيّ ووضع بعض الأحاديث ولو القليلة هنا وهناك لمصالح وقتيّة تناسبه ؟ هل هذا بعيدٌ من شخص ( أو أشخاص ) شارك في إثم الإفك الذي رأيناه في آيات الإفك ؟ وهل هذا بعيدٌ من شخص ( أو أشخاص ) يصفه القرآن بأنّه في قضيّة الأسرى يريد عرض الدنيا ؟ ولماذا هو بعيد ؟ إنّ تركيز القرآن في أكثر من موقع على أخطاء أو انحرافات بعض المسلمين هنا أو هناك ، كأنّه يريد أن يرشدنا إلى تكوين صورة واقعيّة عنهم ، وأنّ هذا المجتمع رغم صلاحه العام ، لكنّه غير محميٍّ من انحرافٍ هنا وآخر هناك . إنّ تجربة حُنين يمكن أن تتكرّر ، ويمكن أن يعيش المجتمع حالة الغرور أو الإدبار عن المهمات العظيمة . الحقيقة الثانية : إنّ هذا المجتمع رغم زلاته وأخطاء بعض أبنائه وانحرافهم هنا وهناك ، كان محلَّ العطف الإلهي على الدوام ، وكان الله تعالى يتغاضى عما يحصل هنا وهناك أحياناً بعطفه على الجماعة ، بصرف النظر عن هذا الفرد أو ذاك ، وقد رأينا كيف أنّ بعض الآيات المتقدّمة تحدّثت عن عدم نزول العذاب عليهم رحمةً وحناناً من الله تعالى مع أنّها لم تذكر توبتهم ، أو لكلمة سبقت من الله سبحانه ، وربما تكون هي حالة الهداية الحقّة المتواصلة التي كانت تنتشر فيما بينهم ، أو لوجود رسول الله فيهم جرياً على منوال قوله تعالى : ( وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) ( الأنفال : 33 ) . وربما يكون هذا العطف الإلهي ؛ لأنّ هذا المجتمع هو مجتمعُ انطلاق الدعوة ، فلو نزل العذاب على هذا المجتمع المدنيّ لتلاشت الدعوة وتهاوت ، فغضّ الله الطرف عن بعض المعاصي الصادرة منهم في مقابل أفعالهم الأخرى ووقوفهم إلى جانب الرسول .