حيدر حب الله
138
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
تناقض الصورة التي تقول بعدالة الصحابة ؛ لأنّ القرآن الكريم لا يتحدّث عن حالة فرديّة واحدة ، بل عن مجموعة حالات وقعت في عصر النبيّ ، تؤكّد أنّ الصحابة كان منهم من يرتكب المعاصي بين الفَينة والأخرى على الأقلّ ، الأمر الذي يجعلنا - وهو يصوّر لنا المشهد بهذه الطريقة - لا نستغرب بعد ذلك أنّهم وقعوا في المعاصي أيضاً بعد وفاة النبيّ ، مما يناقض الصورة التي تحاول تنزيه كلّ صحابي عن الوقوع في معصية تخلّ بعدالته أو استغراب وقوعه في معصية كبيرة معيّنة هنا أو هناك ، وكأنّ كلّ الصحابة في الفضيلة يحملون روحاً عالية تجعلنا نضطرّ لتنزيههم عن مثل هذه الأمور . إنّ المشهد القرآني يبدّد من أمامنا مثل هذا التصوّر ، وبالتالي فالصورة الصحيحة هي الصورة التي تقول بأنّ الصحابة منهم عدولٌ ومنهم أشخاص متديّنون بالمعنى العام للكلمة ، لكنّهم غير منزّهين عن السقوط الأخلاقي ، ولا يوجد ضمانات أخلاقيّة في حقّهم ، ومن ثم لا ينبغي لنا حمل صورة عنهم تبالغ في سموّهم الأخلاقي والسلوكي ، بل يُفترض أن نتوقّع منهم - جرياً على التصوير القرآني - وقوعهم هنا وهناك في معاصٍ أو انحرافات أخلاقيّة ، تستحقّ العقاب والعذاب ، فضلًا عن أخطاء . وفي هذه الحال ، لا يشجّعنا القرآن على حمل صورة عن الصحابة ترى أصالة عدالتهم ، وأنّهم لو وقعوا لتابوا فوراً ، كما يحصل مع المؤمن الصالح التوّاب ، خاصّة وأنّ النصوص القرآنيّة السابقة لم تشر إلى مثل هذا الأمر « 1 » ، بل هو يصوّر بعضهم لنا أنّه يسقط أخلاقيّاً بالفعل ، وعلى هذا الأساس فهذا المجتمع المحيط بالنبيّ يحمل جملة من السقطات الأخلاقيّة التي قد يقع فيها بعض المسلمين ، وبعضها يبلغ مبلغاً كبيراً ، وليس هفوةً أخلاقيّة بسيطة ، فهل تجتمع الصورة التي قدّمها لنا القرآن الكريم عن ذلك المجتمع مع
--> ( 1 ) لاحظ كيف أنّ القرآن الكريم عندما كان يتحدّث عن قضايا تتصل بذنوب الأنبياء - على الخلاف بين المسلمين في اعتبارها ذنوباً وتخالف العصمة أو لا - كان يشير إلى توبة هؤلاء الأنبياء مما حصل معهم ، فراجع النصوص القرآنيّة في هذا السياق ، بينما نادراً ما نجد شيئاً من هذا في سقطات المجتمع المحيط بالنبيّ .