حيدر حب الله

123

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

فهذه الآيات - بصرف النظر عن الشخص الذي نزلت فيه تبرّؤه من التهمة - تُثبت أنّ بين المؤمنين عُصبة خاضت في اتّهام المؤمنين ، بل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله ، بالزنا دون دليلٍ ظاهر ، بل أخذوا يتناقلون هذه الأخبار ، ولولا التفضّل من الله تعالى لنزل العذاب العظيم عليهم ؛ لشدّة الجرم الذي ارتكبوه ، بحيث أغمّ النبيَّ والمحيطين به ، بل أكّدت الآيات الكريمة أنّ هؤلاء عند الله كاذبون طالما لم يقدّم أحدهم شهوداً على جريمة الزنا المزعومة ، وهذا ما يعكس لنا - ونحن في المدينة المنوّرة والسورة مدنيّة - نوعيّة المجتمع الإسلاميّ ، وأنّه لم يكن خالصاً حتى من جرائم بشعة بهذا المستوى . والحديث عن اتهام المنافقين بهذا الإفك مجرّد كلام ، وإلا فالآية تصفُ العُصبة التي أطلقت الإفك بأنّها من المؤمنين ، بل تتحدّث عن تناول حديث الإفك بين المؤمنين وتناقله ، وأنّه لولا الفضل الإلهي على المؤمنين لأنزل عليهم العذاب ، ولا ينزل العذاب على مجتمع بذنبِ عددٍ محدود جداً من المنافقين الذين أطلقوا هذه الشائعة المشينة . إنّ مشهد احُد وغيره عندما يُضمّ إلى هذا المشهد يعطينا صورةً أكثر واقعيّةً عن المجتمع المحيط بالرسول ، فهو مجتمع فيه الصالح والطالح ، لكنّ المؤكّد أنّ الله - بالإجمال العام مع ذلك - رحيمٌ بهذا المجتمع . الأنموذج الثالث : حادثة النجوى ، فقد قال تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ) ( المجادلة : 12 - 13 ) . فإنّ قصّة النجوى ظاهرة في أنّ الذين كفّوا ، لم يكونوا مؤمناً واحداً أو اثنين ، وإنّما جماعة كبيرة ، بحيث نسب القرآن ترك الصدقة إلى المؤمنين كلّهم ، وهم المخاطبون بهاتين الآيتين المدنيّتين كما يلاحظ من مطلع الآية الأولى ، وهذا أيضاً شاهد على نوعيّة المجتمع الذي كان يحيط بالنبيّ ، وأنّه لا يصحّ أن نتعامل معه وكأنّه مجتمع منزّه بحيث لا يحقّ لأحد أن