حيدر حب الله
120
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
المنافقين ، فيصفها القرآن بأنّها ذات دور أخطر من المنافقين ، وهذا ما يُفهم منه أنّ عنوان المنافقين الذي ظهر في الحقبة المدنيّة يستوعب تمام أهل النفاق ممّن ظهر التواؤه أو لم يظهر ، على خلاف عنوان ( الذين في قلوبهم مرض ) ، فإنهم محترفو النفاق ؛ لأنّهم تسلّلوا إلى الدعوة الإسلاميّة منذ الفترات الأولى لها وحتى نهاية حياة النبي ، والآيات القرآنيّة الوارد فيها هذا العنوان تبيّن حجم دور هؤلاء . أمّا الآية الثانية الواردة ، فهي قوله تعالى : ( . . وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَ وَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ * وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ ) ( العنكبوت : 10 - 11 ) . فهذه الآيات تؤكّد وجود فئة منافقة حتى في مكّة ، التحقت بالدعوة لتحصيل مكاسب سلطويّة ونفوذية ، كانت اطّلعت عليها من خلال عقائد أهل الكتاب الذين نشروا في الجزيرة العربية فكرةَ النبيّ المخلّص الذي سيهزم أعداءه ويسيطر على الجزيرة العربيّة بأكملها . بل هناك آية ثالثة مكيّة تشير أيضاً إلى ظهور النفاق في المراحل الأولى للدعوة ، وهي قوله تعالى : ( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ * ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ . . ) ( النحل : 106 - 107 ) . فإنّ الاستثناء الوارد في هذه الآية - إلا من أكره وقلبه مطمئنّ بالإيمان - عبارة عن جملة معترضة ، حيث حاصل الآية أنّ من كفر بالله من بعد إيمانه شرح بالكفر صدراً ، وما قيل من نزول قوله : من شرح بالكفر صدراً ، في عبد الله بن سعد بن أبي سرح من بني عامر بن لؤي ، غير مقنع ؛ لأنّ ظاهر الجمع في الآية يعطي أنّ هؤلاء كانوا مجموعة كفرت دون ضغط أو إكراه من المشركين ، وإنما طمعاً في الدنيا . وتشتدّ ظاهرة النفاق إيغالًا في السريّة والكتمان من خلال ملاحظة قوله تعالى : ( وَمِمَّنْ