حيدر حب الله
121
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ ) ( التوبة : 101 ) ، فإنّ هذه الآية تشير إلى جماعة تحترف السريّة والكتمان حتى أنّها لم تظهر للعيان إلى أواخر العهد المدني ، وهذا خيرُ شاهدٍ على أنّ المحيطين بالنبيّ من أهل المدينة كان فيهم الصالح والطالح ، ولم يكن المجتمع المدنيّ المسلم واحداً من حيث الإيمان والعمل الصالح . بل إنّ سورة التوبة نزل فيها فضح المنافقين ولهذا سمّيت بالفاضحة والمبعثرة والبَحوث ؛ لفضحها المنافقين المتستّرين ، وبعثرتها أسرارهم ، وبحثها عن سرائرهم ، ولم يكن يُقصد بهؤلاء خصوص عبد الله بن أبي سلول وجماعته ؛ لأنّهم كانوا معروفين حينها ، وإنّما جماعاتٍ أخَر متخفّية كأهل العقبة الذين همّوا بما لم ينالوا « 1 » . بهذا يتبيّن أنّ ظاهرة المنافقين لم تكن ظاهرةَ فردٍ أو فردين من الأمّة المسلمة ، بل كانوا جماعاتٍ كبيرة احتاج القرآن إلى الحديث عنهم بآيات عديدة ، بل إلى سورة كاملة خصّصها لهم ، سمّيت بسورة المنافقين ، بل قد ورد اسم المنافقين والمنافقات في القرآن الكريم حوالي 30 مرّةً ، وهذا خير شاهد على تشكيلهم شريحةً لا يُستهان بها داخل المجتمع المسلم ، فكيف يوصف هذا المجتمع كلّه بالعادل لمجرّد أنّه رأى النبيّ أو لازمه ؟ ! وحتى لو فرضنا أنّ أدلّة عدالة الصحابة أجمعين صحيحة وتامّة ، فلابدّ من تقييدها أو تخصيصها بأدلّة ظاهرة النفاق التي عرفتها الحياة الإسلاميّة الأولى « 2 » . 1 - 2 - نصوص الوقائع المتفرّقة حول الصحابة العنصر الثاني : الآيات التي تعرّضت لأحداث متفرّقة عديدة ، صدرت فيها مواقف غير مشكورة من بعض الصحابة ، ويمكن هنا أن يُذكر - على سبيل المثال - بعض النماذج : الأنموذج الأوّل : وقائع احُد ، وما جرى في أحداث هذه المعركة ، حيث خالف بعضُ
--> ( 1 ) السند ، عدالة الصحابة ، مصدر سابق 59 : 69 - 73 ، 82 - 83 ، 99 . ( 2 ) انظر : الميلاني ، الصحابة : 48 - 49 .