حيدر حب الله
119
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
على الدعوة الإسلاميّة ، وقد شارك فريقٌ منها في دعم الكافرين ، أو لا أقلّ ، لم يكن مشاركاً في القضايا الأساسيّة المفصليّة للمسلمين كالجهاد . إنّ هؤلاء المنافقين هم مسلمون في الظاهر ومندمجون في المجتمع الإسلاميّ ، وممّن رأى النبيَّ وسمع منه ، فكيف يمكن تعديلهم إذاً بنظريّة عدالة الصحابة أجمعين ، وتجاهل الظاهرة النفاقيّة الواسعة التي كانت حاضرةً في مجتمع المدينة المنوّرة وفي مجتمع الأعراب أيضاً ؟ ! ويرى بعض الباحثين المعاصرين أنّ ظاهرة النفاق هذه لم تكن في المدينة المنوّرة فحسب ، بل كان لها وجودٌ حتى في مكّة المكرّمة « 1 » ، ويضع القرآن الكريم حركة النفاق في مكّة تحت عنوان ( الذين في قلوبهم مرض ) ، وذلك في رابع سورةٍ نزلت على النبيّ في مكّة ، وهي سورة المدّثر ، وكذلك الحال في سورة العنكبوت المكّية على قول الأكثر . فقد قال تعالى في الآية الأولى : ( وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا . . ) ( المدثر : 31 ) . فهذه الآية وضعت أربع فئات ، وهم : الكافرون ، والمؤمنون ، وأهل الكتاب ، ومن في قلبه مرض ، وظاهر التمييز بين الأربع أنّ الذين في قلوبهم مرض مغايرون للفئات الثلاث الأخرى ، وليس لهم معنى سوى المنافقين . بل إنّ نفس اختيار هذا العنوان لهم يدلّ على أنّ مشكلتهم قلبيّة ، فكأنّهم أخفوا المرض في قلوبهم . ويلاحظ هنا أنّ هذه الفئة لطالما تحدّثت عنها الآيات المدنيّة بعد ذلك مميّزةً بينها وبين
--> ( 1 ) انظر : آصف محسني ، عدالة الصحابة : 27 ؛ ومحمد السند ، عدالة الصحابة ( 2 ) ، مجلّة تراثنا 58 : 57 - 62 .