حيدر حب الله

106

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

الرواية الثامنة : خبر أنس بن مالك ، عن النبيّ أنّه قال : « إنّ مَثَل أصحابي في أمّتي كالملح في الطعام ، لا يصلح الطعامُ إلا بالملح » « 1 » . وهذا الخبر يدلّ على عدم صلاح الأمّة إلا بالصحابة ، فكيف يُعقل أن يكونوا غير عدول ، ثم يوصفون بمثل هذا الوصف ؟ ! وقد نوقش في سند هذا الحديث ، من حيث إنّ فيه إسماعيل بن مسلم ( البصري ) ، وهو ضعيف جداً « 2 » . بل هذا الحديث واضح في أنّه يريد أن يتكلّم عن أصحابه لا عن كلّ واحدٍ واحد . كما لا أدري - إذا أردتُ ممارسة نقدٍ متنيّ على هذا الحديث - هل هو متناسب مع الواقع الخارجي للأمّة المفترض وجود الملح فيها في القرن الأوّل الموجب لصلاحها ؟ وهل حقّاً فسدت الأمّة بعد ذهاب الصحابة أواخر القرن الأوّل أو أنّ الفساد ضربها قبل ذلك بكثير خاصّة عندما قتلت ابن بنت النبيّ في مجرزة رهيبة في كربلاء ، وقصفت الكعبة بالمنجنيق ، وفعلت ما فعلت في واقعة الحرّة ؟ ! وهل حقّاً يريد هذا الحديث أن يقول بأنّنا اليوم لا يمكن أن يصلح حالنا أبداً ؛ لأنّ الصحابة غير موجودين فينا ؟ ! أو أنّ الأفضل أن نقول بأنّ هذا التعبير كنائيٌّ عن أنّ الجيل الأوّل من المسلمين كان في إجماله العام يمثل الجيل الذي نقل الإسلام ورعاه وعمل على نشره وحمايته وديمومته ، لكن بوصفه جيلًا لا بوصفه أفراداً . إلا إذا قيل بأنّ غاية ما يفيده الحديث هو أنّه لو كان الطعام صالحاً في نفسه لتمّ صلاحه النهائي بالملح ، لا أنّ الملح هو المصلح الوحيد للطعام ، بحيث لو وجد كشف عن صلاحه بالضرورة . الرواية التاسعة : خبر جابر الأنصاري أنّه قال : كنّا يوم الحديبيّة ألفاً وأربعمائة ، وقال لنا النبيّ صلى الله عليه وآله : « أنتم اليوم خيرُ أهل الأرض » « 3 » .

--> ( 1 ) مسند الشهاب 2 : 275 - 276 ؛ والاستيعاب 1 : 15 - 16 . ( 2 ) انظر : فيض القدير 5 : 659 ؛ وكشف الخفاء 2 : 197 ؛ وميزان الاعتدال 1 : 248 - 250 . ( 3 ) صحيح مسلم 6 : 26 ؛ ومسند الحميدي 2 : 514 ؛ والشافعي ، الأم 7 : 226 ؛ وسنن سعيد بن