حيدر حب الله

64

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

الإجماع دليل لبّي يؤخذ فيه بالقدر المتيقّن . هذا ، وسوف يأتي التعليق على قول من قال بأنّ عمل أصحاب الأئّمة ، بل وتوجيهات الأئمّة أنفسهم ، قاما على إعطاء الحجية للظنون الرجاليّة ، فانتظر . ثانياً : حتى لو صرفنا النظر عن المتقدّمين ؛ فإنّ المتأخّرين أيضاً لم يتفقوا على اعتبار علم الرجال بإعطائه الحجية المستقلّة ، فنحن نجد الإخباريين - وهم طائفة كبيرة من متأخّري الطائفة الشيعيّة - لم يعترفوا بهذا العلم ؛ بل حتى غيرهم من الفقهاء ، حيث نجد الكثير من الفقهاء لا يستحضر في أبحاثه وثائق علم الرجال بل يركّز على تصحيح النصوص من خلال النظم الحافّة والمُعينة ، مثل الإجماع والشهرة وغيرهما ، ويأخذ قول الرجالي من باب المعين لا أكثر ؛ ومع هذا الوضع كيف نحرز انعقاد تسالم على إعطاء علم الرجال حجيّة مستقلّة ثابتة على نتائجه بوصفها معطيات ظنيّة ؟ ! ثالثاً : حتى لو سلّمنا صغرى الإجماع ، فهو واضح المدركيّة بالنسبة للمتأخرين على الأقلّ ؛ فقد بحثوا بأنفسهم في مستند حجيّة قول الرجالي ، وانقسموا إلى مذاهب وفرق ونظريات ؛ وفي مسألة من هذا النوع ، كيف يكون الإجماع كاشفاً وحجّة ؟ ! هذا ، وقد ذكر بعض المعاصرين ، أنّ عملهم هذا لا يُحرز كونه وجهاً مستقلًا ؛ إذ لعلّه من باب الشهادة ، وربما من باب الاطمئنان ، وثالثة من باب الرجوع إلى أهل الخبرة وهكذا ، ومعه ، فلا معنى للرجوع إلى تسالمهم « 1 » . وهذه المناقشة إن قصد بها ما قدّمناه في المناقشة الثالثة من هدم حجيّة الإجماع بالمدركيّة ، فهي جيّدة ، وإن لم تكن العبارة وافية جداً ، وإن قصد أنّ هذه النظرية هنا ، ليست وجهاً مستقلًا غير سائر النظريات الأخرى ، فهذا يمكن مناقشته بأنّ إعطاء الحجيّة للظنّ الرجالي يختلف من ناحية السعة والضيق في نتائجه عن إعطاء الحجيّة من باب الشهادة أو خبر الثقة ؛ ولهذا يمكن - وفقاً لهذا المسلك دون غيره من المسالك - الاعتماد على توثيق الرجالي

--> ( 1 ) معين دقيق ، السوانح العاملية : 182 - 183 .