حيدر حب الله

56

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

وإذا طبّقنا هذا الأمر لا نجده ينطبق على علماء الرجال ، أو لا نحرز انطباقه ؛ فهل كان الطوسي والنجاشي أو البخاري وابن حنبل على علم ويقين بكلّ هذه المعلومات التي قدّموها لنا ، مع أنّ الأغلبيّة الساحقة من المعلومات التي قدّموها لنا عن الرواة لم يكونوا معاصرين لأحداثها ، فكيف حصل لهم العلم بها ؟ « 1 » . ولو عدنا إلى واقع التراث الرجالي ، سنجد أنّه في حالات كثيرة يبني علماء الرجال على توثيق شخص لشهادة عالمٍ بوثاقته ؛ فهذا الشيخ الصدوق كان يتبع أستاذه ابن الوليد في باب الرجال ، كما صرّح بذلك ، وفي كثير من الأحيان نجدهم ينقلون توثيق عالم رجالي لشخص ، ثم يظهر من كلامهم الاعتماد على هذا التوثيق ، وهذا الأمر نجده بشكل واسع النطاق في كلمات العلامة الحلي ومن بعده ، حيث تراهم يكتفون بعبارة النجاشي أو ابن الغضائري ؛ ويبنون عليها . فمع هذا كلّه ، ولا أقلّ مع عدم إحراز أنهم بنوا على العلم في هذه الوثائق التي قدّموها لنا ، كيف يمكن الأخذ بما أدلوا به من باب حجيّة الشهادة ؟ ! وهذه الإشكالية واردة في الجملة لا بالجملة ، فإنّ بعض تعابير الرجاليين وكلماتهم واضحة في انطلاقهم من حالة يقين عندهم ، كما في توثيق الكشي لأصحاب الإجماع ؛ فإنّ عبارته لا تكاد تشكّك الإنسان في أنّ وضوح هذا الأمر عنده بلغ حدّ حصول اليقين . وفي المقابل نجد بعض المواقف المتفرّقة يظهر منها أنّ الرجالي غير جازم بنحو القطع واليقين ، لكنّه قامت عنده المعطيات الظنّية المعتبرة ، وهذه حالات محدودة . نعم عند الشك ، قد يقال بأنّ الأصل لو أخبرني فلان بأنّ فلاناً ثقة أنّه عالم بوثاقته ، ولا أقلّ من أنّ هذه هي الحالة الغالبة ، لكنّه غير واضح ؛ فإنّ الأصل هو صدقه الأخلاقي في قوله وثبوت ذلك عنده بدليل يبرّر له قوله هذا دون حاجة لذكر منطلقه ، وهذا أعمّ من اليقين الوجداني واليقين التعبّدي .

--> ( 1 ) انظر : الفصول الغرويّة : 299 .