حيدر حب الله

94

مسألة المنهج في الفكر الديني

الحرص على معرفة مواقفهم ونظرياتهم وإن لم يبلوروا جهودهم هذه على صيغة علم التاريخ العلمي بشكله المعاصر . فعلى سبيل المثال - وعلى خطّ الكلام والعقيدة الإسلامية - تصنّف الجهود التي قام بها النوبختي ( زهاء 300 ه - ) والشهرستاني ( 548 ه - ) وغيرهما « 1 » في مجال الفرق والمذاهب والنحل على أنها تعبيرٌ عميق عن جهدٍ تاريخيٍّ علمي يحاول قراءة تاريخ الآراء العقائدية ونحوها من خلال دراسة الاتجاهات والمذاهب والفرق الإسلامية وغير الإسلامية الصغيرة والكبيرة ، وهو تكشيف مهمّ للنظريات التي شكّلت محاور هذه الفرق نفسها . وكمثالٍ آخر على الخطّ الفقهي ، يمكن التركيز على الجهود التي بذلها السيد محمد جواد العاملي ( 1226 ه - ) في كتابه « مفتاح الكرامة » ، والذي يدلّل بدرجة معيّنة على مدى الحضور المميز للتاريخ العلمي في وعي مؤلفه ، وسعة الاطلاع والتتبع ، والقدرة المميزة على تكشّف مواقف الفقهاء السابقين بدقةٍ ملحوظة ، وعن تجربةٍ شخصية مباشرة ، تستبعد الركون إلى نقل من سبقه للنسبة والاكتفاء بذلك عن ممارسة تحقيق تاريخي فقهي حول مسألةٍ أو فكرة فقهية معيّنة . . ولقد أدّت تجربة العاملي هذه إلى نوعٍ من نقلةٍ نوعية في هذا المجال كان لها أثرٌ في الشخصيات التي جاءت بعده ؛ إذ يُلاحظ مدى حضور التتبع الفقهي التاريخي في كلمات من بعده « 2 » - ولو كان في بعضه نوعٌ من

--> ( 1 ) من أمثال البلخي ، والشيخ المفيد ( 413 ه - ) ، وأبي الحسن الأشعري ( 324 ه - ) ، وعبدالقاهر البغدادي ( 429 ه - ) ، وابن حزم الظاهري ( 456 ه - ) ، وأبي بكر الباقلاني ، وغيرهم من المعاصرين ، من أمثال الشيخ جعفر السبحاني والدكتور محمد جواد مشكور . ( 2 ) لا نقصد النفي المطلق على مستوى المرحلة التي سبقته ؛ فالفاضل الهندي ( 1100 ه - ) في « كشف اللثام » يعبّر عن مستوى متقدّم على هذا الصعيد ، وإنما نقصد أن القفزة النوعية الملحوظة قد حصلت على يد صاحب مفتاح الكرامة ، إلى درجة أنه يُنقل عن السيد البروجردي أن مرجع