حيدر حب الله
91
مسألة المنهج في الفكر الديني
القراءة التاريخيّة للفكر الديني الضرورات والدلالات تمهيد اعتادت العقليات الكلاسيكية على إلغاء الفاصلة بين الفكر والواقع بمعنى من المعاني ، بين الأنا والهو ، بين الذاتي والعيني ، بين الذهني والخارجي . . في إدراكها وتصوّرها للمعرفة البشرية ، فعندما يعمد الباحث والمفكرّ إلى معالجة موضوعٍ ما لاكتشاف حقيقة وواقع أمرٍ معين فإن طيّه للمراحل الفكرية والتحليلية ومن ثَمّ وصوله إلى النتيجة التي تولّدها هذه المقدّمات ، يستتبعه نوعٌ من الإعراب عن الواقع عند الإفصاح عن النتيجة ، أي أن الباحث لا يحكي عن فكرةٍ توصّل إليها من خلال معطيات ومواد علمية فحسب ، وانما يتجاوز ذلك ليحكي عن الواقع الذي يراه إلى درجة أنّه يضارع ويساوي ويكثّف بين ما يراه وبين الواقع نفسه في عملية انصهارٍ وإذابة واتحاد ، استدعتها اليقينية الحاسمة التي وصل إليها خلال أو نتيجة سعيه وبحثه العلمي . بيد أن الأمر قد اتخذ وضعاً آخر في القرون الأخيرة خاصةً ، كما بيّنا سابقاً ، ليحصل هناك نوعٌ من الإمازة بين الشيء بما هو هو وبينه بما هو في أفق مداركنا ، فمجرد انكشاف الشيء في أفقنا العقلي لا يعني الواقع وإنما هناك حلقةٌ وسطى بينهما ، لا يحقّ لنا تجاوزها بالمطلق . وبقطع النظر عن تقييم هذين التصوّرين للمعرفة وأيّهما الصحيح ، حيث أسلفنا الحديث عنهما فيما سلف ، كما وبغض النظر عن نوعٍ من النسبية التي يواجهها التصوّر الثاني الذي يسود اليوم على نطاق كبير . . فإن من خدمات