حيدر حب الله

92

مسألة المنهج في الفكر الديني

هذا التصوّر - أي الثاني - على الصعيد الفكري العام تحويل المعرفة نفسها إلى مادّةٍ قابلة للقراءة دون إدخال عنصر الواقع في هذه القراءة « 1 » ، وهو أمرٌ يجعل التعامل مع هذه المادّة بعيداً عن الصوابية والحقانية ، ما دامت هاتان الصفتان تختزنان - عادةً - استحضار الواقع الذي كان قد جرى استبعاده سلفاً . وفي هذا المناخ تنمو وتزدهر علومٌ من قبيل علم المعرفة وفلسفة العلوم وتاريخ العلوم و . . وتأخذ لنفسها وجوداً جادّاً كما تكتسب أهميةً خاصّة ؛ لأن الحديث عن تاريخ علم من العلوم يكتسب أهميته بشكلٍ أكبر عندما ننجح - في وعينا - في فصل العلم والنظريات عن الواقع والصحّة ، فتاريخ العلوم سعيٌ فكريٌّ لدراسة المعرفة الإنسانية دراسةً تاريخية تستبعد في أكثر الأحيان عناصر الصواب والخطأ والحكم والتقييم ، وإن كانت نتائجه نافعة في الدرجة الثانية لتأكيد مقولات أخرى ، وما سنسعى له هنا هو إطلالة عابرة على هذا العلم - تاريخ العلوم - في الإطار الديني . ونستهدف من وراء هذه الإطلالة ، ممارسة فعل من داخل العلوم الدينية السائدة لتأكيد الحاجة في الوسط العلمي الديني إلى ضرورة ممارسة قراءة تاريخية للنتاج المعرفي ، وإعادة استنساخ هذه العلوم ضمن منهج آخر ، والسبب الذي يؤكّد لنا هذه الحاجة هو أن الدرس الديني السائد يفتقر بشكل جادّ إلى هذا النوع من القراءة رغم العيّنات التي سوف نأتي على ذكرها ، مما يعزّز ضرورة بعث الفهم التاريخي للعلوم الدينية في الوسط العلمي الديني المعاصر الذي نخاطبه في هذا الكتاب ، الأمر الذي أمست المؤسسات والمراكز والمعاهد والحوزات الدينيّة في أمسّ الحاجة إليه في العصر ما بعد الحداثوي وفي مناخ علم المعرفة الثانوية ، ولم يعد صواباً أن تكشح العلوم الدينية المعاصرة بوجهها عن هذا النمط من قراءة الدين بوصفه كياناً تاريخياً ، مهما كانت النتائج التي

--> ( 1 ) لا يعني ذلك حصر هذه النتيجة به ، بل تميّزه بها على نطاقٍ أكبر .