حيدر حب الله

86

مسألة المنهج في الفكر الديني

دورها في تكوين تلك المنظومة من جهة ، كما تنفعل لقاءات مكة بالمنظومة عينها ، الآتية من أطراف الأرض ، وكأن مكّة وموسم حجّها مفصل ، يقوم بتصفية المنظومات التصوّرية المنتجة في مظاهر الاختلاف المذهبي والإثني والقومي و . . من العلائق المفضية إلى التباعد والتشرذم . ولا يكاد الباحث يصدّق بأنّ مكة المكرمة وموسم الحج فرصة ذهبية تاريخية حقاً ، لإنجاح مشروع تعاون المسلمين وتعاضدهم ، إنّ الاختلافات القومية واللونية والعرقية والمالية والمذهبية و . . تذوب تماماً هناك ، ويسبح المؤمنون في بحر أبيض واحد ، يقدرون من خلاله على الاقتراب الروحي والاجتماعي من بعضهم بعضاً أكثر فأكثر . ربما نحتاج إلى صرف مليارات الدولارات لجمع هذا العدد - بتنوّعاته - من المسلمين في مكان واحدٍ ، يشاهدون بعضهم بعضاً وهم يؤدّون أعمالًا موحدة ليس من اختلافات فيها تذكر ، إنّ هذا المناخ النفسي الذي تخلقه مكّة وموسم الحج لا ينبغي النظر إليه بلغة احتفائية أو أسطورية ، وإنما بلغة علمية حقيقية ، تؤكّد أن مثل هذه الفرص يندر وجودها في العالم . لسنا بحاجة كثيراً إلى زرع مفاهيم التقريب والوحدة والتعاضد والألفة و . . ، بوصفها مقولات في ذهن هذا المسلم أو ذاك ، بقدر ما نحتاج إلى إحساس أو ممارسة أو وعي باطني متدفّق يمكن أن تولّده الاحتكاكات الاجتماعية الصادقة دون حاجة إلى فلسفته بلغة الفكر والثقافة ، فنظرية الوحدة أو التقريب ليست هدفاً بوصفها نظرية ، وإنما وسيلة لزرع ثقافة الذات المسلمة الكبرى في نفوس المسلمين ، ولو عبر رؤية بعضهم بعضاً ومحادثة بعضهم بعضاً ، ومسامرة بعضهم بعضاً ، لا أقل في تلك الأيام الإلهية ، في موسم الحج ، ومعنى ذلك أنّه لابدّ من وضع برامج لتلاقي المسلمين في الحج لا للمناظرة والجدال أو عرض الأفكار فحسب ، بل الأهم لكي يحسّ كل مسلم بأخيه المسلم إحساساً يخلق في وعيه صورةً حميمة عنه تفوق حجم الصورة التي تصطنعها المفاهيم والمقولات المقروءة أو المسموعة .