حيدر حب الله

69

مسألة المنهج في الفكر الديني

وثمّة نوع آخر من المشكلات التي تعيق حركة التقريب والوحدة ، وهو الأداء الذي تمارسه الأطراف في الواقع الميداني ، إنّ بعض ظواهر القمع والإقصاء ومنع الحريات الدينية والتضييق على شعائر الطوائف المختلفة وما شابه ذلك ، يؤدي إلى تكريس منطق العداء بين الأطراف ، من هنا ندعو الدول السنية والشيعية لكي تفسح في المجال لأقلياتها المذهبية بممارسة شعائرها وطقوسها بحرية معقولة ، حتى يكون ذلك تنفيساً للاحتقان المختزن عبر العصور ، ومؤكّداً على جدية التعامل الوحدوي بين الأطراف . إنّ الحرّيات الدينية بإمكانها أن تزيل واحدةً من أكبر عوائق التقارب ، ألا وهي إشكالية التقيّة ، إن استخدام الشيعة للتقية على نطاقٍ واسع كانت له أسبابه التاريخية القمعية التي استخدمت عبر العصور ضدّ العلويين والموالين لأهل بيت النبي رضي الله عنهم ، وقد ظلّت ثقافة التقية حاضرةً في الوعي الشيعي والفقه الإمامي حتى عصرٍ قريب ، انطلاقاً من إحساس الشيعة بالخطر على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم فيما لو أفصحوا عن آرائهم ومعتقداتهم ، فإذا تعزّزت الحريات الدينية بشكلٍ هادئٍ ومنطقي ، فبالتأكيد لن يشعر الشيعة بعد اليوم بأنّهم مضطرّون لممارسة التقية حفاظاً على أنفسهم ، بل سيجهرون بأفكارهم ، مما يدفع التعارف والتكاشف إلى مزيدٍ من وضوح الأفكار ، وتزايد الثقة المتبادلة بالأطراف ، وهذا ما يعزّز الحوار والتفاهم والتعاضد بلا مرية . على صعيد آخر ، يفترض بالأقليات أن تستفيد - منطقياً - من هامش الحرية التدريجي الذي منحتها إياه الأكثرية ، وأن لا تتعسّف في استخدام الحقّ أو تتهوّر في توظيفه ، بما يفضي إلى إعادة الأمور كما كانت ، وهو الأمر الحاصل جداً في حياتنا السياسية عموماً ، نحن العرب والمسلمين . يجدر عدم إحراق المراحل ، وعدم الاستعجال في التنفّس داخل مناخ الحريّة ، وعدم إحراق الأوراق كافة ، إن العلاقة الجدلية بين أداء الحاكم والمحكوم علاقة لا يمكن تفكيكها ، فينبغي التعامل مع الحاكم بوصفه إنساناً لا ملاكاً أو معصوماً .