حيدر حب الله

48

مسألة المنهج في الفكر الديني

المحاورةَ مؤمناً بمعتقده سلفاً غير مريدٍ للتعرّف على الحقيقة ، بل طالب للكشف عنها أمام الآخر . ففي الحقيقة ، نلاحظ أن هذه الخطوط الحمراء كثيراً ما لا تكون مدروسةً دراسةً برهانية غائياً ، أي دراسة هادفة للكشف ، وانما متلقاة بشكلٍ أو بآخر بوصفها حقائق ، وكل ما يدور حولها إنما هو عمل جاد للتدليل على مؤكّدات لها أمام الطرف الآخر ، حتى وإن جُمعت حصيلة هذه الجدالات في شكل أنساق مجرّدة وغير حاكية عن مولّداتها . . فالقضية إذاً - إذا أردنا أن نبيّنها كمثال - ليست نقاشاً في فكرة العلاقة بين النص القرآني والنص الديني غير القرآني من قبيل السنّة النبوية ، حتى يقال بأن هذا مبنيّ على مبدأ الاعتبار والقيمة للسنّة النبوية ، لأننا كنّا قد بحثنا هذا المبنى - ألا وهو حجية خبر الثقة ونحوه - في باب الحجج والأمارات من علم أصول الفقه ، دون أن ندخل هذا البحث محمّلين بافتراضٍ مسبق لا أقلّ من بين الافتراضات المطروحة هناك ، ولا أقلّ في بعض الحقبات الزمنية في تاريخ الفكر الإسلامي ، فالقضية مختلفة أحياناً عن هذا الوضع ، وليست شبيهةً به دائماً . إن رفع الحواجز أمام الخطوط الحمراء - والكلام هنا ضمن ساحة العلم والتحقيق ، وضمن المجال النخبوي - على المستوى التحاوري ، وتحويلها من أسس بحثية إلى مادة للبحث قبل أن تصبح أسساً ، حينما يتطلّب الحوار ذلك ، يمكنه أن يوسّع من أفق الحوار وإنتاجياته ، وأن يجعل الجسم الثقافي العام أكثر حيويةً وقدرة على تمثل وضعيات متنوعة تناسب تطوّر المعرفة نفسه . هذا ، وإذا كان لابد من تحسّسٍ للمسؤولية إزاء موضوعة الحوار ، فإن ما يدفعنا إلى تحويله إلى علم ومادة ، ومن ثم إلى ثقافة علمية أخلاقية هو الحاجة إلى الابتعاد في عالم اليوم عن التناحر والتصادم المسبّبين لأجواء من غيبوبة الماضي من جهة ، أو عدم عيش الحاضر من جهةٍ أخرى ، دون أن نولي الضرورة الاجتماعية والقيمية تفوّقاً على الواقع المعرفي .