حيدر حب الله
32
مسألة المنهج في الفكر الديني
كيف يمكن الجمع بلا إزدواجية ( والازدواجية وأمثالها هنا تمثل مظاهر عابرة ، أي أنها عند اشتداد الموقف تخرج عن صورتها ، وينعكس الواقع بدقة كما هي الحال في الكثير من الأخلاقيات المماثلة ) بين استحالة صحّة القول الآخر واحتمال خطأ قولي أو العكس ؟ وكيف يمكن أن يكون الحوار هادفاً - بالمعنى الذي سيأتي لهادفيّته - ما دام المحاور قد دخله واصلًا إلى الحقيقة لا طالباً إياها ؟ أما لو استبدلنا تلك البنية المعرفية بعقل تعددي معرفي - لا فقط تعددي اجتماعي - أي ذاك العقل الذي يرى أن الحقيقة منبسطة لا متمركزة ، وأنه لا يمكن لمنظومة متراكمة من الحقائق والمولدة لثقافة معينة أن تكون كلها صحيحة أو لا أقل لا دليل ينفي احتمال الخطأ فيها . . فإن الوضع سيختلف . إن هذا العقل ينظر إلى التجربة الفكرية للبشر ككل بنظرة مشرفة ، ويتفهم الكمّ الهائل من أخطاء التفكير اليومية هنا وهناك ، ويتعامل مع العقل البشري تعاملًا واقعياً نتيجة خبرة طويلة معه ميدانياً ، من هنا فهو يجد انتشار الأخطاء على العقول كافة لا يسلم منها عقل ، وهذه الموقعية المشرفة للعقل التعدّدي تجعله معترفاً ومقراً دائماً باحتمالٍ حقيقيٍّ للخطأ في أية فكرة حتى لو لم يمكنه تحديدها تفصيلًا . إن الاستبدال بهذا العقل يجعل المتحاور منسجماً مع ذاته في حواره ؛ لأن الحوار سيبقى قائماً على قاعدة حقيقية - لا شكلية - اسمها احتمال الخطأ في رأيي واحتمال الصواب لدى الآخر ، وليس قائماً على قاعدة تنازلية تسالمية مرحلية غير متجذرة في العقل والوعي ، وإنما هي مجرّد صيغة تفاوضية مصلحية ليس لها خارج الحوار وجود فاعل . إنّ من أهم نتائج هذا العقل التعددي هو تقليص المفاهيم الإطلاقية وانتشار ما نسميه ثقافة الاستثناء المعاكسة ؛ لأن هذا العقل لم يعد يؤمن بنتائج - ضرورية - شاملة وإنما صار مستعدّاً لاحتمال انخرام القاعدة ، وبالتالي فتح نافذة الاستثناء للتلاقي مع الآخر فيها ، وهو بذلك يبقي هامشاً ملحوظاً