حيدر حب الله
26
مسألة المنهج في الفكر الديني
القيود الفكرية التي تشنج - وكأنها شحنةٌ كهربائية حادة - كل المسار التكاملي بمجرّد الاصطدام بها ، وهو - أي هذه الدراسة - أمر لم يجرِ الاهتمام به بدقة وبالحجم المناسب من قبل الباحثين والداعين إلى حوار عقلاني هادف ، وانما جرى التركيز بصورة أكبر - سيما على مستوى الساحة الإسلامية - على الجوانب الأخلاقية والدينية للحوار كما لاحظنا إجمالًا ، فنحن نواجه قيم الحلم وسعة الصدر لدى مطالعة موضوعة الحوار ، كما نواجه قيم التحمّل والصبر على آراء الآخرين بوصفها أساساً أخلاقياً لتنشيط الحوار الهادف ، إلا أن الحديث عن بلورة وضعيات فكرية معرفية تمثل المحيط الطبيعي لحوارٍ عقلاني إنما كان يأتي عن طريق العَرَض ولم يكن منظوراً في الأهداف الأولى للدراسة غالباً ، والمفارقة التي تحصل هنا تختزل في التناقض الحاصل بين المنحى القيمي والواقع الفكري ؛ لأن مركزة الجهود على الخط الأخلاقي دون تأمين مهيئات موضوعية معرفية تفضي - أي هذه المركزة - إلى نوع من الحركة المتعاكسة ، فالتوجيه الأخلاقي يدفع - من جهةٍ - ناحية إنجاح الخطوة فيما الواقع المعرفي يصدّ عن إكمالها ، ومن الطبيعي أن يتغلّب البعد المعرفي على البعد الأخلاقي ؛ لأنه القادر على إيجاد تبريرات أخلاقية جديدة . من هنا ، تتأكد الفكرة القائلة بأن أي حديث أخلاقي تقريباً سيبقى في عالم الضبابية وبعيداً عن التطبيق والعملانية ما دام النظام القيمي فيه غير منسجم مع الواقع الموضوعي أو غير متدرّجٍ معه . وهذه هي بالضبط المقولة التي ركّز عليها كثيراً بصورتها العامّة العلامة السيّد محمد حسين الطباطبائي ؛ فقد رأى العلامة أن النظام القانوني والأخلاقي الإسلامي ليس أمراً إضافياً على المسار الطبيعي للتكوين ، وبالتالي فهذا النظام إنما يعبّر عن إعادة الحركة الاجتماعية والنفسية و . . الإنسانية إلى الحالة التي تتطلبها الطبيعة والتكوين تماماً ، كما هو تناول الأغذية ليس أمراً قانونياً أو أخلاقياً يضاف إلى الوضع الطبيعي للحياة البشرية التكوينية ، وإنما هو بالضبط محاولة للدخول في هذا المسار التكويني بالكشف عن