حيدر حب الله
19
مسألة المنهج في الفكر الديني
تحاوريّاً - في القرنين الأخيرين ، والتي أخذت فيها الدبلوماسية حيزاً كبيراً ، فلقد أدّى تنامي النشاط الدبلوماسي - عالمياً ودولياً - إلى تشكّل تجارب كبيرة من المفاوضات والحوارات التي أثمر الكثير منها مذكرات تفاهم ومعاهدات موثوقة ، وقد لاحظ خبراء الدبلوماسية أنه - وعلى مرور الأيّام - صار هناك نوع من المراكمة لتلك الخبرات التي اكتسبتها تجربة الدبلوماسيّة ، فتولّد هناك شعور بضرورة جمع هذه الخبرات ، الأمر الذي أدى إلى تولّد علم جديد أطلق عليه اسم : علم التفاوض ، الذي اتسع نطاقه ليتحوّل من مجرّد برنامج عمل للفن الدبلوماسي إلى منظومة علمية متكاملة للتفاوض الاجتماعي والسياسي ككل . لقد أخذ علم التفاوض دوره مكان الحوار ، فصارت التسمية الأكاديمية للحوار والجدل هي : التفاوض الذي أصبح اليوم على صعيد بعض الجامعات في العالم علماً مدروساً ومعتمداً ، بل كان لبعض هذه الجامعات دور بارز في بناء مشاريع على هذا الصعيد ، أبرزها جامعة هارفارد « 1 » . لقد صارت دراسة الحوار والتفاوض بحاجة إلى علم مختص ، ففي جنيف وحدها تجري سنوياً حوالي عشرة آلاف عملية تفاوض حول مختلف موضوعات العالم ، ونحو ذلك في نيويورك أيضاً ، فضلًا عن مئات الآلاف من عمليات الحوار الجارية داخل كل قطر ودولة ، مضافاً إلى ملايين أو مليارات عمليات الحوار العامة . وهذا ما صار يستدعي دراسة هذه الظاهرة على أكثر من صعيد دراسة علمية مستوعبة ، والخروج من الحديث عنها في اطار الكلام العام والضبابي أحياناً ، سيما وأن علم التفاوض المعاصر هو - على حد قول الدكتور حسن وجيه أحد المختصّين العرب بهذا العلم - كيان متمازج من دراسات علم النفس والاجتماع واللغويات والعلوم السياسية وعلم الأجناس « 2 » . .
--> ( 1 ) حسن محمد وجيه ، مقدّمة في علم التفاوض الاجتماعي والسياسي : 34 . ( 2 ) المصدر نفسه : 23 .