حيدر حب الله
118
مسألة المنهج في الفكر الديني
النقص البنيوي الذي لم يجر التنظير له ، وإنما تمت ممارسته فقط . والسبب الرئيس في عمليتي الاكتشاف هاتين هو طبيعة عنصر المراكمة العلمي ، ذلك أن الأفكار - ولا سيما منها النظريات والمشاريع الفكرية - لا تولد عادةً بشكل دفعي ، وإنما تخضع لنظام حياة متكامل ؛ إذ تتراكم المعلومات والأفكار والتصوّرات نتيجة البحث والجدل والمناظرة والحوار بمختلف أشكال هذه الوسائل ، وعلى إثر هذا التراكم تبدأ النظرية في أخذ تشكّلات أكثر اكتمالًا ، فالنظريات - كالصور والرسومات - عندما تبدء النقطة الأولى منها لا تظهر جلياً بأجزائها ومكوّناتها ونواقصها ، لكنها عندما تصبح شبه مكتملة تبدأ نقاط الفراغ بالبروز وأخذ المعالم الخاصة بها مما يسهل على الناظر لها إكمال تكوينها واكتشاف مميزات عناصرها وإخراجها المخرج النهائي ، وهذا الإكمال لا يتسنى عادةً ما لم تكن هناك قراءة تاريخية تبيّن لنا : كيف اكتمل ما اكتمل من الصورة تدريجياً ؟ وكمثالٍ بارز على هذا الأمر تجربة تأسيس فقه النظرية ، الذي نادى به جماعة من كبار العلماء من أبرزهم السيد محمد باقر الصدر « 1 » ، فإن فقه النظرية تعبيرٌ آخر - من الناحية العملية - عن إعادة تشكيل صور متكاملة للفقه ، تعيد إنتاجه ضمن محاور وأبواب وعناوين ومداخل مختلفة ، والأمر الذي يحصل - وهو ما أكّدته تجربة النصف الثاني من القرن العشرينهو أن تجميع المفردات الفقهية المتناثرة جداً والمتصلة بنظريةٍ ما كالنظرية الاقتصادية أو السياسيّة أو الاجتماعية . . يؤدي إلى تشكّل صورة كبيرة مبرقشة ، أي تتناثر فيها نقاط فراغ لم تكتمل ، إن إعادة تشكيل الفقه وفق
--> ( 1 ) انظر : اقتصادنا : 355 - 405 ، وله أيضاً « الاتجاهات المستقبلية لحركة الاجتهاد » ، مجلة فقه أهل البيت عليهم السلام ، العدد 1 : 13 - 21 ، وراجع حول النظرية عند السيد الشهيد : خالد الغفوري ، مجلة فقه أهل البيت عليهم السلام ، العدد 20 ، فقه النظرية لدى الشهيد الصدر : 123 - 204 ؛ وسلسلة كتاب قضايا إسلامية معاصرة ، العدد 30 ، فقه النظرية عند الشهيد الصدر ، باقر برّي .