حيدر حب الله
107
مسألة المنهج في الفكر الديني
الطوسي هو الفاصل ، أو أن القضية تتسع إلى أوسع من هذا الحدّ الدقيق ، كما يذهب إليه بعض العلماء المعاصرين « 1 » ؟ وهكذا نرى أن البحث التاريخي يمكنه أن يحدّ من النزاعات اللفظية ، ومن ثمّ يختزل الوقت أمام الباحث أو المتكلّم أو الأصولي أو الفقيه أو غيرهم . الفائدة الثالثة : اكتشاف مدى ترابط العلوم بعضها ببعض وطبيعة هذا الترابط عندما يحاول الباحث أن يحدّد المسار المنطقي لعلاقة علم الكلام بالفلسفة ، فإن دراسته التاريخية لهذه العلاقة في مرحلة التخاصم التي سبقت نصير الدين الطوسي ( 672 ه - ) والفخر الرازي ( 606 ه - ) أو فيما بعدها يمكنها أن تمدّه بعيّنةٍ من التجربة التي ترشده إلى الكثير من الإيجابيات والسلبيات في هذه العلاقة ، وبالتالي توجّهه نحو تبنّي موقفٍ علمي ميداني من العلاقة المثالية في تصوّره الخاص ، إنّه بالدراسة التاريخية سيعرف الفائدة التي جناها هذان العلمان عندما كانا منفصلين - منهجاً ومضموناً - نظراً لظاهرة التباري بينهما ، كما أنه سيلاحظ الثمار التي أغنت علم الكلام عندما أغرقته الفلسفة بآخر تطوّرات العقل البشري في مجال المنطقيات والرياضيات والطبيعيات . . وهكذا أيضاً إذا أردنا دراسة علاقة علمي الفقه والأصول بعلمي الفلسفة والمنطق مثلًا ، معتمدين على رؤيةٍ نظرية تحليلية مجرّدة لا تحاكي الواقع ولا تنظر إلى طبيعة التجربة التاريخية لهذه العلاقة ؛ فقد نصل إلى تصوّر معين ، لكن الاطلاع على العلاقة التاريخية الحاصلة منذ قرون بين هذه العلوم وملاحقة مواقع التأثير والتأثر وتقييم هذه المواقع . . يمكنه أن يغيّر أحياناً من قناعتنا ؛ لأن هذه التجربة الغنيّة بالمعطيات تمدّنا بمادّةٍ مهمة لتحديد تقييمنا
--> ( 1 ) الداوري ، أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق : 196 ، عند بحثه عن كتاب بشارة المصطفى لشيعة المرتضى .