حيدر حب الله

105

مسألة المنهج في الفكر الديني

الفائدة الأولى : فهم العلم ونظرياته إن دراسة التاريخ العلمي - كما تقدّم - تساهم بشكلٍ جادٍّ في فهم العلم نفسه ونظرياته من خلال فهم طبيعة المراكمة التي شكلت المكوّن النهائي الحالي لهذه النظرية أو تلك ، فإذا أخذنا مثلًا نظرية حجية خبر الواحد في علم الأصول ، وحاولنا دراسة المراحل التاريخية التي مرّت بها ، فإننا في إطار سيرنا التاريخي الذي سيفرض علينا المرور التدريجي بأفكار العلماء والمدارس الأصولية والإخبارية السنّية والشيعية سوف نتمكّن من تشكيل تصوّرٍ واضح عن هذه النظرية ، إذ بقدرتنا على إبراز الموائز المستمدّة من الدراسة التاريخية سنستطيع ملاحظة عناصر الالتقاء والافتراق بين الإخباريين والأصوليين ، الانفتاحيين والانسداديين . . أو بين ابن إدريس ( 598 ه - ) والسيد المرتضى وغيرهم ، وهذه المعلومات سوف تصبّ في نهاية المطاف في اتضاح هذه النظرية لدينا بشكلٍ دقيق ، سواء وافقنا عليها - أي النظرية - بعد ذلك في مرحلة التقييم أو لا ؛ لأننا نقوم هنا - وفي هذه المرحلة - بمهمّةٍ توصيفية بحتة ، ومن هنا نلاحظ أن عدم فهم بعض الدارسين والباحثين لبعض النظريات يرجع إلى ضعف اطلاعه التاريخي حولها ، وهو ما يشكّل عنده صورةً منقوصة عنها ليكون حتّى حكمه عليها في النهاية حكماً غير مبنيٍّ على وضوحٍ ودقّة . الفائدة الثانية : جلاء النزاعات اللفظية واتضاح المصطلح قد يشتبه الأمر في بعض الأحيان على الباحث ؛ فيتصوّر أن المصطلح المستخدم في عصرين مثلًا يدلّ على مؤدّى واحد فيما الأمر ليس كذلك ، والسبب في ذلك يرجع أحياناً كثيرة إلى عدم ممارسته القراءة التاريخية ؛ لأن هذه القراءة من شأنها أن تدلّنا على السياق الذي جاء فيه الاستخدام السابق لنجد من خلال ذلك أن المراد لم يكن ليرتبط مع المصطلح الذي استخدمه المفكرّ الآخر ، وهو أمرٌ طبيعي ، فمثلًا نظريّة الولاية التكوينية التي ينتابها في علم الكلام الشيعي بعض الغموض - على المستوى التصوّري - أحياناً ، لدرجة أن بعض كبار علماء الشيعة المعاصرين يضطرّ لعرض جملة التفسيرات المحتملة