حيدر حب الله
89
فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
والنهي عن المنكر ، فلابدّ من تأويل هذه الآية هنا ، ولو عبر جعل أدلّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محقّقةً لشرط الاهتداء المأخوذ في الآية « 1 » . وهذا الكلام بهذه الطريقة غير صحيح ؛ فإنه كما لا يمكن رفع اليد عن تلك الأدلّة بهذه الآية ، كذلك لا يمكن رفع اليد عن هذه الآية - لو كانت تامّة الدلالة بعد قطعيّة صدورها - بمجرد وجود تلك الأدلّة ، بل لابدّ من التفتيش عن حلّ أكثر جذرية ، يرفع التناقض في القرآن الكريم على أساس علمي وليس أيديولوجياً . الجواب الثالث : ما نسبه الفخر الرازي إلى الأكثر ، من أنّه لا يوجد أيّ تعارض بين هذه الآية وأدلّة الأمر والنهي ؛ لأن هذه الآية - بحسب السياق - تطالب المؤمنين بالإيمان وتخبر المؤمنين بأن ضلال الضالّين لن يُلحق بكم الأذى ولن يكون سبباً في أذيتكم ، لا في الدنيا ولا في الآخرة ، فلا تقلقوا من ضلالهم بعد أن صرتم مهتدين ؛ فالآية - كما يقول الماتريدي وغيره - في مقام بيان عدم سراية ضرر الضالّين إلى المؤمنين ، شبيه ما تفيده بعض الآيات من أنه ( وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) ( الأنعام : 164 وغيرها ) « 2 » . وهذا الجواب جيد ، سوى أنه يحتاج إلى مزيد توضيح بشأن مطلع الآية : ( عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) ؛ فإنّ هذا الجواب يوضح ما بعد هذا المقطع ممّا ينفي الضرر ؛ لكنه لا يفهمنا بوضوح لماذا حصرت الآية - بتقديم « عليكم » على « أنفسكم » - بأنّ
--> ( 1 ) انظر : ابن عاشور ، التحرير والتنوير 5 : 241 ؛ والمنتظري ، دراسات في ولاية الفقيه 2 : 240 . ( 2 ) انظر : السيوطي ، الديباج على مسلم 1 : 64 ؛ والمباركفوري ، تحفة الأحوذي 6 : 324 ، 335 ؛ والمناوي ، فيض القدير 2 : 505 ؛ وأبو بكر أحمد الرازي الحنفي ، شرح بدء الأمالي : 124 ؛ والطوسي ، التبيان 4 : 41 ؛ والفخر الرازي ، التفسير الكبير 12 : 112 ؛ والنحاس ، معاني القرآن 2 : 373 ؛ والزمخشري ، الكشاف 1 : 649 ؛ والهمداني ، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( فارسي ) : 46 - 47 .