حيدر حب الله
68
فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ذلك ، أما الأول فهو قوله : ( خُذِ الْعَفْوَ ) إذ يطالب بترك التشدّد في القضايا المالية ، وأما الثاني فهو الأمر بالمعروف حيث لا تساهل في هذا الأمر « 1 » . وهذه التفاتة لطيفة وإن لم تكن ذات دلالة ظهورية يمكن أن يعتمد عليها ؛ وقد ورد في الحديث أنه لما أنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وآله : ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ) قال رسول الله صلى الله عليه وآله : « ما هذا يا جبريل ؟ قال : إن الله أمرك أن تعفو عمن ظلمك ، وتعطي من حرمك ، وتصل من قطعك » « 2 » . إذا اتضح هذا كلّه ، يظهر أمامنا في دراسة هذه الآية السؤال التالي : إذا خاطب الله تعالى نبيّه بأمر فهل تكون الأمة ملزمة بهذا الأمر أيضاً أم أنه خطاب لشخص النبي ؟ والجواب : إذا قام شاهد في النص أو خارجه على عدم الاختصاص كان دليلًا على التعميم ، وإذا قام شاهد على اختصاص الخطاب به والأمر ، كان دليلًا على الاختصاص ، وأما لو لم تقم شواهد إضافية فهنا يفترض النظر ؛ فتارة يحصل شك افتراضي لا أكثر ، ويكون المضمون من القضايا العامة التي لا تختصّ بحدث بعينه مثل الأمر الكلي بالعفو والأمر بالمعروف والإعراض عن الجاهلين ، وأخرى لا يكون الأمر كذلك فهنا صور ، نذكر منها : الصورة الأولى : أن يكون المضمون بطبيعته من القضايا العامّة والحِكَم الخالدة ، ويكون احتمالنا للاختصاص مجرّد فرضية ؛ فهنا يلتزم بشمول الأمر لنا ، خصوصاً في القضايا الأخلاقية العامة ، ويمكن أن نستشهد على ذلك بجمع ثلاث نصوص في القرآن الكريم هي : قوله تعالى : ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) ( القلم : 4 ) ، وقوله سبحانه : ( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) ( الأحزاب : 21 ) والثالث
--> ( 1 ) الفخر الرازي ، التفسير الكبير 15 : 95 - 96 . ( 2 ) انظر - على سبيل المثال - : تفسير ابن كثير 2 : 289 ؛ والدر المنثور 3 : 153 .