حيدر حب الله
67
فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
لكنّ استنتاج العمومية - بهذا المعنى - من هذه الآية يواجه معضلة النسخ المدّعاة فيها ؛ وذلك أنّهم قد ذكروا أن هذه الآية الآمرة بالأمر بالعرف منسوخة الأول والآخر دون الوسط ، ووجه ذلك أنّ الأمر بأخذ ما زاد من أموال الناس دون ثقل عليهم والإعراض عن المشركين في آخرها قد نسخا بآيات الزكاة والجهاد « 1 » . وقد أوجز الآلوسي في التعليق على ذلك بقوله : « ولا ضرورة إلى دعوى النسخ في الآية ، كما لا يخفى على المتدبر » « 2 » . أما على صعيد الذيل ، فقد بحثنا هذا الموضوع مفصّلًا في مباحث الجهاد في الفقه الإسلامي وأثبتنا أنه لم يحصل نسخ من طرف آيات الجهاد الأخيرة - مثل سورة التوبة - لهذا النوع من النصوص « 3 » ؛ وأما مطلع الآية فهو يدلّ - على تفسيرها بالزكاة - على الرأفة بهم والأخذ بما يزيد عليهم أو يودون إعطاءه من أنفسهم ، وهذا لا ينافي أن تشرّع الزكاة بعد ذلك ؛ لأنه إن فسّرنا العفو باليسير ، فالزكاة ليست بالأمر الكثير ، وإن فسّرناه بما يعطون من أنفسهم كائناً ما كان ، لم يناف إيجاب الزكاة عليهم ، فإن عدم إعطاء الزكاة لا يبطل أخذ غيرها « 4 » . وحتى على تقدير نسخ الصدر والذيل ، لا مانع من الأخذ بالوسط الذي لم ينسخ ، وهو ما نحن فيه . ونشير أخيراً إلى أنّ الفخر الرازي ذكر أن الآية تذكر نوعين من ألوان الحقوق والتعامل مع الناس أحدهما ما يجوز فيه التساهل والتسامح وثانيهما ما لا يجوز فيه
--> ( 1 ) راجع : السيوطي ، الإتقان في علوم القرآن 2 : 64 ؛ والدر المنثور 3 : 154 . ( 2 ) الألوسي ، روح المعاني 9 : 147 . ( 3 ) انظر : حيدر حب الله ، الجهاد الابتدائي الدعوى ، قراءة استدلالية في مبادئ العلاقات الدولية / القسم الأول ، مجلّة الاجتهاد والتجديد ، العدد 8 : 72 - 117 . ( 4 ) ينصح هنا أيضاً بمراجعة : الشيخ محمد جواد البلاغي ، الهدى إلى دين المصطفى 1 : 344 - 346 .