حيدر حب الله

57

فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

بعد توجّه الأمر الأول للجميع بحيث يشمل تلك الجماعة الخاصّة أيضاً . لكنّنا قد ذكرنا أنّ مثل هذه القوانين موجودة في حياة العقلاء ، فقد يطرحون فريضةً عامّة لكن في الوقت نفسه تكون مهمّة هذه الفريضة ، وبشكل متفرّغ له ، من وظائف جماعة بعينها ، وهذا لا مانع منه . ب - مشكلة الوجوبين المتماثلين ، فإنّ الأمر بالمعروف قد انصبّ عليه وجوبان متماثلان : أحدهما الوجوب العام وثانيهما الوجوب الخاص ، فالجماعة الخاصّة مخاطبة بوجوبين حسب الفرض ، وهذا غير معقول . وقد تقدّم أكثر من محاولة لحلّ هذه المشكلة : أولًا : القول بأنّ الوجوب العام كفائي ، فيما الوجوب الخاص عيني ، بحيث يجب على تلك الجماعة عيناً أن تتصدّى للمنكر في المجتمع . لكن يناقش بأنّ العينية والكفائية ليستا من مقوّمات الوجوب وحقيقته ، وإنّما من شؤون الإطلاق والتقييد العارضين على هذا الوجوب ، كما هو واضح في أصول الفقه الإسلامي ، فيظلّ الوجوبان متماثلين ويبقى المحذور قائماً . ثانياً : أن نطوّر المحاولة السابقة بالقول بأنّ هناك وجوباً واحداً على الجميع ، غاية ما في الأمر أنّ هذا الوجوب يعرض على الجماعة الخاصّة عينيّاً فيما يعرض على الأمة على نحو الكفائية ، أو يعرض على الجماعة الخاصّة بحيث يجعل الفريضة من وظائفها المعنيّة بها ، المطلوب منها أن تتابعها ، لاختلاف ممارسة العامّة للأمر والنهي عن طبيعة ممارسة الخاصّة ودائرة عملهم ، فيما يعرض على الأمّة عروضاً أوّليّاً بحيث يطلب منها أن تمارس هذه الفريضة لا أن تكون من وظائفها اليومية المعنية بها ، وهو تفكيك معقول موجود في حياة البشر ، تقول : يجب على الناس الاهتمام بنظافة مدينتهم ، لكن في المقابل تكون هناك مجموعة معنية بالتفصيل بنظافة المدينة ، وهكذا . . فكأنّ القرآن طلب من الأمّة بما هي أمّة الأمرَ والنهي ، ثم طلب منها