حيدر حب الله

91

شمول الشريعة

استفادة شيء ، أما في الحالة الثانية فلا ؛ لأنّ الله إذا أعطى تمام النعمة فلا دليل على أنّ إعطاءه ذلك كان من خلال الدين فحسب ، حتى نجسّر بين تمام النعمة والدين ، فقد يكون أعطى ذلك بالدين والعقل والفطرة وغير ذلك ، فباكتمال الدين تمّت العناصر كلّها وتحقّق إتمام النعمة ، لا أنّ الدين هو تمام عناصر السعادة والنعمة . وهذا يُشبه ما يُنسب إلى القدّيس الإسكندراني تيتوس فلاويوس اكليمندس ( كليمنت ) ( المتوفّى حوالي 215 م ) ، من القول : إنّ الله خاطب اليونانيّين بعقولهم وخاطب العبرانيين بالوحي والنبوّة . ومن هذا المنطلق ، نفهم خطأ المقاربة التي قام بها الشيخ علي رضا الأعرافي ، حين ذهب إلى أنّ الآية الكريمة تفيد كمال الدين وتماميّته معاً ، ومن ثمّ فالتماميّة عندما تصبح وصفاً لاحقاً للدين فهي تفيد الجامعيّة والشموليّة حتى لو لم يكن وصف الكمال مفيداً « 1 » ؛ وذلك أنّ الآية ليس فيها أيّ مؤشّر على كون التماميّة صفة متعلّقة بالدين ، بل هي صريحة بكونها صفة متعلّقة بالنعمة التي منها الدين ، والتي تتمّ بالدين ، لا أنّ الدين هو الذي تمّ وصار تامّاً ، بل حتى لو سلّمنا بأنّ وصف التماميّة متعلّق بالدين في الآية فلا توجد دلالة لغويّة واضحة على كون التمامية تعني الجامعيّة ؛ لأنّ تمامية الشيء صيرورته تامّاً لا نقص فيه من جهة ولا عجز فيه عن تحقيق الغاية منه في نفسه من جهة ثانية ، وهذان المفهومان ما زالا منسجمين مع فرضيّة عدم الشمول كما قلنا آنفاً وسنوضح أكثر لاحقاً بإذن الله . رابعاً : لو تنزّلنا عن الملاحظة الثالثة ، وسلّمنا بأنّ الدين هو الذي يعطي الإنسان تمام النعمة ، فهنا نسأل : ما هو المراد بتمام النعمة ؟ فإذا قيل : إنّ تمام النعمة هنا هو في الفوز الأخرويّ ، لا سيما بناءً على ثقافة القرآن التي تركّز البُعد الأخروي ، فإنّه لا يثبت أكثر من أنّ الدين معنيٌّ بتحقيق النعمة العليا ، وهي السعادة الأخرويّة ، وأين هذا من شموليّة تشريعاته لتنظيم شؤون الحياة الدنيويّة ؟ ! ودعوى التلازم الشمولي تحتاج لدليل منطقي وموضوعي . وأمّا إذا قيل بأنّ تمام النعمة هو في كلّ خيرات الدنيا والآخرة ، فهذا واضح الفساد ؛ لأنّ الله لم يتمّ على العرب المسلمين آنذاك كلّ هذه النعم بإنزال هذه الآية أو بتنصيب الإمام علي عليه السلام

--> ( 1 ) انظر : الأعرافي ، قلمرو دين وگستره شريعت : 121 - 122 ، 168 . وكأنّ الشيخ الأعرافي شعر بأنّ مفهوم كمال الدين لا يكفي لوحده لإثبات المطلوب .