حيدر حب الله

92

شمول الشريعة

بناءً على ربطها بذلك ؛ لأنّ الآية تفرض تحقّق تمامية النعمة خارجاً وواقعاً لا تقديراً ، ونفس تشريعات الدين لوحدها ليست كافية لتحقّق تمام النعم الدنيويّة والأخرويّة ما لم تطبّق في الواقع الخارجي . وأما إذا قصد السعادة الدنيوية والأخروية معاً ، فإنّ الآية تشير إلى إتمام ذلك لا إلى تمامه ، فإتمامه كان بأمرٍ وحياني وهذا غير أنّ تمامه كان وحيانيّاً ، والإتمام يتحقّق بكون الجزء الأخير وحيانياً ، ولا يفترض كون تمام الأجزاء كذلك ، فتأمّل جيّداً . ولعلّ المراد من إتمام النعمة هو البُعد الديني ، أي أنّ الله قد أتمّ عليكم - بإنزال هذه الآية أو بتنصيب علي عليه السلام - نعمَتَه المنظورة له ، لا تمام نعمه ولا بعضاً معيناً لنا منها ، وهذه النعمة عنوانها العام هو صلاحهم وفوزهم . وعليه فلا يوجد شاهد في إتمام النعمة على فرضيّة الشمول في إكمال الدين . خامساً : إنّ مناقشة الباحث لفرضيّة أنّ إكمال الدين كان بمعيّة العقل بأنّ ظاهر الآية هو الإكمال بواسطة الوحي دون غيره ، هذه المناقشة غير واضحة أيضاً ؛ لأنّ الإكمال وحييٌ لا الكمال كما تقدّم ، يضاف إلى ذلك مشكلة أخرى ، وهي أنّ الله تعالى ينسب الإكمال إلى نفسه ، فإذا أخذنا بالتفسير الشيعي للآية وأسباب نزولها ، سيكون المعنى : إنّ الله تعالى قد أكمل الدين بيوم الغدير وتنصيب عليٍّ للخلافة ، وهذا التنصيب - وفق المعتقد الشيعي - لم يكن قد حصل في يوم الغدير ، وإنّما تمّ الإعلان عنه في هذا اليوم ، إذ يعتقد الشيعة بأنّ نصوص إمامة علي عليه السلام ممتدّة إلى يوم الدار في السنوات الأولى من البعثة النبويّة ، وأنّ هذه النصوص القرآنية والحديثية استمرّت بشكل متواصل ، لا أنّ إمامة علي جُعلت من قبل المولى سبحانه في يوم الغدير ، وهذا ما يفرض علينا اعتبار أنّ إكمال الدين - انسجاماً مع المعتقد الشيعي - لم يكن أساساً باكتمال أجزائه ؛ لأنّها كانت مكتملةً ، بل قوّته وكماله الواقعي ، وحمايته والطمأنينة عليه . وقد فسّر بعضُهم أو احتمل أن يراد بالآية أنّكم كُفيتم خوف عدوّكم وأظهرتم عليه ، تماماً كما تقول : اليوم تمّ لنا الملك ، وكمل لنا ما نريد « 1 » ، ووفقاً لذلك كيف نجعل الاكتمال منحصراً بالوحي ؟ ! بل ما يعزّز هذا الاحتمال هو أنّ الآية نفسها قالت : ( . . الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ

--> ( 1 ) انظر : الزمخشري ، الكشاف 1 : 593 ؛ والطوسي ، التبيان 3 : 435 ؛ والطبرسي ، مجمع البيان 3 : 274 .