حيدر حب الله
86
شمول الشريعة
وكان الدكتور عابد بن محمّد السفياني قد استند بشكل مركّز إلى آية إكمال الدين هنا في كتابه الذي طبع قبل عقود « 1 » . ولكنّ الاستدلال بكمال الشريعة هنا يعاني من مشكلة ؛ وذلك أنّ كمال الشريعة مفهومٌ له معنيان : المعنى الأوّل : أن تكون الشريعة مغطيةً لجميع وقائع الحياة ، فيكون كمالها بالنسبة إلى الواقع ، فهي كاملة لأنها تستوعب الواقعَ كلّه ، وهذا هو الكمال الذي ينتج هنا - أوّلياً - قاعدةَ : ما من واقعة إلا ولها حكم . فالكمال هنا هو توصيف ناشئ عن طبيعة العلاقة بين الشريعة وتمام الوقائع . المعنى الثاني : أن يراد وصولها إلى نقطة الغاية المرادة لها ، فتكون قد كمُلت ، بمعنى أنّ هناك مجموعة عناصر تكوّن هذه الشريعة وهذا الدين ، فعندما تلتئم بأجمعها يحصل كمالُ الدين ، سواء كان الدين هذا يغطي كلَّ وقائع الحياة أم أريد له أن يغطّي مساحةً محدّدة منها ؛ لمصلحةٍ في ذلك . والكمال هنا هو توصيف قائم على طبيعة العلاقة بين الشيء وغايته ، أو بين الشيء وأجزائه . ولو نظرنا إلى الآية القرآنيّة المشار إليها وأمثالها ، لم نجد لها دلالةً واضحة على المعنى الأوّل ، بل هي أقرب إلى المعنى الثاني ؛ لأنّها ظاهرة في إكمال الدين ، فهي تريد أن تقول : إنّني أكملت اليوم لكم الدين ، فالدين بالأمس لم يكن قد كمُل بالنسبة إليكم ، واليوم قد حظي بكماله ، لا أنّه لم يكن قد كمُل في ذاته بالنسبة لوقائع الحياة واليوم قد كمُل بهذه الملاحظة ، فهذا ما ليست هناك أيّ إشارة له . وبعبارةٍ أخرى : لو فرضنا أنّ الدين الإلهيّ يغطّي مساحة 90 % من مجموع وقائع الحياة ، والقرآن والسنّة كانا يبرزانه ويظهرانه ، ثم نزلت هذه الآية تفيد أنّنا أكملنا لكم الدين ، فإنّ معنى ذلك أنّ التسعين في المائة هذه قد كمُلت لكم ، فتصدق الآية الكريمة في هذه الحال أيضاً ، ومعه لا يكون فيها ظهور في الكمال بالمعنى الأوّل المطلوب . وبهذا يصحّ ما قاله الدكتور عبد الكريم سروش بجملة مختصرة من أنّ جامعيّة الدين غير
--> ( 1 ) انظر : الثبات والشمول في الشريعة الإسلاميّة : 136 - 147 .