حيدر حب الله
75
شمول الشريعة
الإنسان استطاع أن يدير الكثير من أموره ، وأنّ هناك الكثير من المساحات التي يقدر على توظيف عقله فيها للوصول إلى غايات منشودة ، وإذا كان العقل الإنساني قد أخطأ في مجالات معيّنة فإنّ فرضيّتنا هنا ليست استبدال الشرع بالعقل ، بل اعتبار العقل أحد القوى القادرة على سنّ قوانين تأخذ بعين الاعتبار القيم الشرعيّة والمبادئ القانونية الإلهيّة ، فهل عندنا دليل عقلي أو تاريخي على أنّ التجربة البشريّة لم ولن توفّق مطلقاً ، حتى نتخذ هذا الموقف السلبيّ من العقل في أفق التجربة الميدانيّة ؟ وعلى فرض أنّ النصوص والوحي جاءا لكي ينقذا العقلَ من جهله ، فهل كانت هذه النصوص بمعزل عن نشاط العقل الذي عبره نقوم بفهم النصوص نفسها ، والمفروض أنّ فهم النصوص ليس حاله بأقلّ من حال فهم الحياة في التعقيد والتشابك والغموض ، فما هو المبرّر المنطقي للوثوق بجهودنا العقلية الإنسانيّة في فهم النصوص ووعي التاريخ وإدراك بعض الحِكَم والمقاصد والغايات بدرجةٍ ما في الوقت الذي لا نعطي هذا العقل أيّ ثقةٍ بجهوده خارج إطار النصوص ، وفي عالم إدارة الحياة نفسها ؟ ! ألا نبدو أنّنا وقعنا في مفارقة تحتاج لتبرير منطقي ؟ ! وبهذا نفهم أنّ الاستدلال المدّعى هنا والقائم على ثنائيّة الجهل والمصلحة ، وإن كان صحيحاً في الجملة ، لكنّه لا يرتفع بمجيء الوحي ولا بالشريعة الشاملة من جهة ، كما أنّه لا يوجد دليل على شموله بحيث يعوق العقل عن أن يمارس نشاطاً تقنيناً في مساحة معيّنة وفق هدي الشرع في قيمه وأخلاقيّاته ومبادئه التشريعيّة . ج - ما هو الدليل الذي يحيل إمكانيّة أن يكون الله تعالى قد ترك العقل يخوض التجربة مع كلّ نواقصه ، إذ في ذلك نماؤه وتنميته ولو النسبيّة ، فلعلّ الله رأى أنّ العقل الإنسانيّ لو منحناه مساحةً في إدارة الحياة وفق توجيهات عامّة واطرٍ محدّدة فإنّ هذا يقع لمصلحة الإنسان بشكل كبير ، ولو كان هذا العقل ربما لا يوفّق للوصول إلى قوانين صحيحة دائماً . ما هو المعطى المنطقي الذي ينفي أن تكون الصورة على هذه الحال ؟ بل ما هو الذي ينفي أن تكون خبرات العقل في مجال إدارة الحياة إلى اليوم هي نتيج تعليم الأنبياء وتربيتهم لهذا العقل عبر التاريخ السحيق ، بحيث نفذت تعاليمهم في كيفيّة توظيف العقل في إدارة الحياة إلى الأجيال لتصبح لديهم مستويات معيّنة من النضج في المعرفة وفي إدارة بعض أمورهم ؟ هل لدينا نقض تاريخي على