حيدر حب الله
74
شمول الشريعة
بيد أنّ هذا الاستدلال هنا غير نافع - بصرف النظر عن مديات كونه نافعاً في أصل بحث النبوّة والوحي - وذلك لتوليفة معطيات : أ - إذا كنّا نفتقد إلى الثقة بأخلاقيّة الإنسان في سنّه للقوانين ، فنحن منطقيّاً يفترض أن نفتقد الثقة به في فهمه للقوانين الإلهيّة وفي تحويره لها وتوظيفه لها لمصلحته . وتاريخُ الأديان - بل والنصوص الدينية نفسها - يشهدان على أنّه كيف وظّف الكثير من أبناء الأديان ورجال الدين تفسير النصوص والتعامل معها وفقاً لمصالحهم ، من حيث شعروا أو لم يشعروا ، ومن ثم فإذا كنّا نرى أنّ العنصر المفيد للوثوق بالإنسان هنا هو أخلاقيّاته وإيمانه وتديّنه وغير ذلك ، فإنّ هذه العناصر بنفسها يمكن لنا فرضها شروطاً في المقنّن البشري الذي يريد أن يقنّن في المساحة المتروكة آخذاً بعين الاعتبار عدم معارضة النصوص وأحكامها في المساحة المغطّاة ، وإذا لم تكن هذه كافية فإنّ نزول الشرائع الكاملة لن يغيّر شيئاً ، وسيفسدُ تطبيقَ الشريعة كما أفسد من قبل توظيف العقل بشكل صحيح للوصول إلى الحقيقة الأخلاقيّة والقانونيّة . ب - لسنا نشكّ في أنّ الإنسان يعاني من نقصٍ في معلوماته حول الوجود والحياة وحول نفسه وقضايا الاجتماع وغير ذلك ، لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه : هل هذا الجهل عند الإنسان مطبقٌ بحيث يجب أن نحرمه من ممارسة فعل التوجيه والتقنين بشكل كامل لأنّه يعاني من جهل وقلّة معرفة أو أنّ الأمر لا يبلغ هذه الدرجة ؟ لست أريد أن أدخل في سجال قائم على الجدل والنقض في أنّ إثبات الله نفسه ومعايير أخلاقيّة فعله ، والكثير من القيم الأخلاقيّة والسلوكيّات الحسنة يمكن أن يتمّ بمعزل عن النصوص الدينية ، خاصّة على مسالك العدليّة ، ولا أريد أن أستعين بفكرة سكوت الشريعة عن الكثير من أحكام العقل العملي والحياة والبناءات العقلائيّة التنظيمية ، ليكون ذلك شاهداً على أنّ العقل والتجربة الإنسانيّة قادرة على الوصول إلى مساحة مهمّة على مستوى وضع القوانين . . لكنّني سأذهب خلف أمرٍ آخر ، وهو مراجعة التجربة الإنسانيّة ، فإنّ هذه التجربة تؤكّد أنّ
--> 133 ؛ وجعفر السبحاني ، محاضرات في الإلهيّات : 247 - 252 ؛ والأسماء الثلاثة : 29 ؛ وناصر مكارم الشيرازي ، شموليّة الشريعة ، مجلّة الاجتهاد والتجديد ، العدد 38 - 39 : 12 - 13 ؛ ومحمد حسن قدردان قراملكي ، آيين خاتم بژوهشي در نبوّت وخاتميّت : 182 - 185 ، و . .