حيدر حب الله

70

شمول الشريعة

بعضهم إلماحاً « 1 » - أن نستند لنصٍّ ديني في إثبات الشموليّة ، بل نقصد أن نجعل النصّ الديني كلّه صغرى الدليل إذا صحّ التعبير ، فالتتبّع في النصوص يجعلنا نلاحظ حجم المساحة الهائلة التي تدخّلت فيها الأديان ، ومن ثمّ يغدو من غير المنطقي الحديث عن شريعة غير شاملة لكلّ مساحات الحياة . إنّ هذا الدليل لو حلّلناه يختلف عن نسق الأدلّة السابقة أو عن نسق دليل اللطف ، وذلك أنّه لا يعتمد على ملازمات عقليّة قهريّة ، ولا يستخدم قياساً أو دليلًا لميّاً ينطلق فيه من الأعلى إلى الأسفل ، وإنّما يرجع لواقع الشريعة كي ينظر في حجم المساحات الهائلة التي غطّتها ، ويستنتج من مراكمة التتبّع شموليّةَ الشريعة . إلا أنّ المشكلة التي تواجه هذا النوع من الأدلّة هو تحدّيات الحقبات اللاحقة على نزول الوحي وصدور النصوص ، وذلك أنّه سيأتي الكلام المطوّل في إمكانات الحديث عن نظام بيئيّ شامل مذكور في النصوص ، وكذلك عن تفاصيل أحكام المستحدثات الطبيّة وقضايا بيع الأعضاء والوصيّة بها أو التبرّع والتلقيح الصناعي ، وأسلحة الدمار الشامل بأنواعها ، وحكم السيطرة على الفضاء وبعض الكواكب ، ودخولها في ملكيّة الدولة المسيطرة ، بل وأحكام الفضاء عموماً بما فيها أحكام العبادات ، ومسألة الإسراف في استهلاك طاقات وخيرات الأرض ، وقضايا النموّ السكاني وعلاقته بالتنمية وتنظيم النسل والتعقيم وحريّة الإنجاب إلى غير ذلك من أمثلة وحالات ، فرضت اليوم وجود سلطات تشريعيّة على المستوى الداخلي والدولي والإقليمي ، مثل وكالة الطاقة الذريّة ، ومنظمة الصحّة العالميّة ، وغيرهما ممّا قيّد حريّة البشر وألزمهم بما لم يرد في النصوص . إنّ أجوبة الفقهاء هنا تقوم على القياس تارةً أو أخذ العموم أخرى أو الأصول العمليّة ثالثة ، أو العنوان الثانوي رابعة ، ونحو ذلك ، وسوف يأتي النقاش المفصّل في أصل قدرة هذه الآليات على الاستجابة في وضع نظم قانونيّة . ونحن هنا لا نتكلّم في الحكم الظاهري بل نتكلّم في الأحكام الواقعيّة نفسها . النقطة المركزيّة هنا هي طبيعة قراءتنا للنصوص الدينيّة ، فالنصّ القرآني لم يضع قوانين

--> ( 1 ) انظر : الدوخي ، منطقة الفراغ التشريعي : 93 - 94 .