حيدر حب الله

69

شمول الشريعة

افتراض غير عقلاني . إلا أنّ هذه المقاربة غير دقيقة أيضاً ، إذ - إضافةً إلى ما سيأتي عند الحديث عن قاعدة اللطف - لا نجد أنّ هذا البرهان يعطي أكثر من الترجيح ، ولا يكوّن قناعةً يقينيّة ؛ والسبب في ذلك أنّ المشرّع هنا هو نفسه المكوّن ، ومن ثمّ فمن الممكن أن يعتمد على التكوين في سدّ بعض الثغرات في تشريعه إذا صحّ التعبير ، فنحن لا نتكلّم عن مشرّعٍ أطلق بضعة كلمات أخلاقيّة عامّة وذهب ، بل نتكلّم عن مشرّع وضع برنامجاً ، كلّ ما في الأمر أنّنا نبحث في أنّ هذا البرنامج هل هو شاملٌ لكلّ التفاصيل بحيث وضع لها أحكامها وبيّنها للناس أو لا ؟ وعليه فلماذا لا يكون عقلانيّاً حكيماً أن يعتمد على تجربة الناس أنفسهم في سدّ بعض الفراغات بحيث يكون قد تركها عمداً لمصالح محتملة ؟ فما لم ننفِ مثل هذه الاحتمالات فإنّنا لا نستطيع أن نقدّم برهاناً عقليّاً في هذا السياق . ولا يوجد برهان على استحالة نجاح العقل في إدارة بعض الأمور التنظيميّة لحياة البشر . بل واقع التجربة الإنسانيّة التاريخيّة في تعاملها مع الشريعة يثبت ادّعاءنا وينفي ادّعاء المستدلّين هنا ؛ وذلك أنّ الشريعة لم تبيّن جزئيّات موضوعات الأحكام ، وتركت ذلك لتشخيص المكلّفين ، أي تركت ذلك لعقولهم وتجربتهم وخبرتهم في تحديد الموضوعات والظروف والملابسات ، والأمر عينه فعلته في القضاء ، وهذا أمرٌ يترك التشريعات والأهداف عرضةً لخطأ التجربة الإنسانيّة أيضاً ، ومع ذلك لم يتدخّل ( المشرّع والمكوّن ) هنا على الإطلاق ، بل اكتفى ببعض الموجِّهات العامّة ، فكما فعل هذا هنا لماذا لا يكون قد فعل شيئاً شبيهاً به على مستوى بعض المساحات التي تركها أيضاً لتشخيص البشر كي يسنّوا فيها قوانين في ضوء القيم الأخلاقيّة والتوجيهات الأيديولوجيّة العامّة التي قدّمها الدين ، لا أدري أين هي المشكلة في هذا ؟ وأين تكمن اللاعقلانيّة فيه ؟ 6 - مرجعيّة الاستقراء في تكريس الشمول القانوني نقصد بهذا الدليل أنّ مراجعة نصوص الكتاب والسنّة تشرفان بالإنسان على القطع بأنّ الشريعة جاءت للشمول لكلّ مرافق الحياة ، ولا نقصد بهذا الاستدلال - الذي ألمح إليه