حيدر حب الله

63

شمول الشريعة

لا تكون إلا لزوميّة ، فاجتمع الحُسن والقبح مع خلوّ الواقعة من الإرادة . وقد أجاب بعض المعاصرين هنا بأنّ الإرادة قد تكون لزوميّةً وقد تكون غير لزوميّة ، بحيث يكون استتباعها للفعل ضعيفاً أو بطيئاً ، بل إنّ قياس التشريعية على التكوينية غير صحيح في نفسه ؛ وذلك أنّ الإرادة التكوينية تستلزم تحريك العضلات ، بينما الإرادة التشريعية لا تستتبع شيئاً ؛ إذ هي في نفسها ليست إلا أمراً نفسانيّاً في الآمر ، بل نحن ننكر عدم استتباع الحسن غير اللزومي للإرادة اللزوميّة ؛ لأنّ العاقل بما هو عاقل يتحرّك نحو الحسن غير اللزومي وإنّما لا ينبعث عنه أحياناً لمانعٍ أو مزاحم ، ولو كان مثل تدخّل الوهم والخيال والحسّ ، وإلا فالعاقل بما هو عاقل لا يترك الراجح أبداً ، وفي الإرادة التشريعيّة الأمر كذلك ؛ فإنّ العاقل إذا أدرك الحُسن غير اللزومي اشتاق إلى صدوره من الآخرين تلقائيّاً ، فتكون قد حصلت له إرادة له ، وهذا كافٍ « 1 » . الملاحظة الثالثة : إنّ ما نراه المنهجة الصحيحة في مقاربة الموضوع هو أنّ قانون الملازمة هو الذي يحتاج إلى إثبات مسبق لتصدّي الشارع سبحانه لإصدار جعولات شرعيّة على كلّ الوقائع ، وإلا فلو كانت هناك مصالح تحول دون تصدّيه هذا ، فإنّ أحكام العقل لن يمكن بقانون الملازمة فرض كون الله قد جعل حكماً شرعيّاً في موردها ، وإن كان يمكن فرض أنّه موافقٌ عليها ، إذ هناك فرق بين موافقته عليها وبين جعله الشرعي لها ، وغايته أنّه لا يمكن أن يُصدر حكماً شرعيّاً على خلافها مثلًا . ومعنى ذلك أنّ الله إذا رأى أحكام العقول - خاصّة ما كان مجمعاً عليه بين الناس - موافقة لأغراضه ولمصالح الناس ، وصحيحةً في مضمونها ، فلا يعني ذلك أنّه أنشأ بالضرورة حكماً شرعيّاً على وفقها ، لتترتب على مخالفته فكرة مخالفة الحكم الشرعي الإلهي ، بل لعلّه اكتفى بما توصّلوا إليه ، ونظّموا أمورهم على وفقه ، فتصوير الله دائماً على أنّه مُفتٍ ومقنِّن غير تصوير الله على أنّه هادٍ ، فإنّ كونه هادياً للكمال ، قد يكتفي هو فيه بزرع العقول تكويناً لكي تصل الناس إليه ، دون أن يحتاج لإفتاء في هذا المجال ، وكما يمكن للعقول أن تخطأ أحياناً ولا يضرّ ذلك بهداية الله ، كذا إفتاء المولى يمكن له أن يصبح مادّة خطأ لهذه العقول نفسها في مرحلة

--> ( 1 ) انظر : المصدر نفسه ، العدد 7 : 184 - 187 .