حيدر حب الله

64

شمول الشريعة

الاكتشاف والعقل النظري . وأمّا دعوى أنّ المولى سبحانه هو سيّد العقلاء ، فلابدّ أن يكون قد حكم بحكمهم ؛ لكونه واحداً منهم ، بعد فرض أنّ الحسن والقبح هو ما تسالم عليه العقلاء ويمثلان شأناً تشريعيّاً قانونيّاً لهم ، لا مجرّد عنصرٍ إدراكي للحسن والقبح في الخارج . . هذه الدعوى ليست سوى مصادرة ؛ فإنّه يفرض فيها أنّ المولى من العقلاء ، ثم يفرض أنّ العقلاء جميعاً يحكمون بهذا ، ثمّ يُستنتج أنّ المولى حكم بهذا ، مع أنّ الكبرى يُفترض - لكي نجزم بها - أن نكون قد أحرزنا سلفاً أنّ جميع العقلاء قد جعلوا قوانين على وفق هذا المدرك العقلي العملي ، وليس فقط رأوا ما في متعلّقه من المصالح أو الحسن والقبح ، فلعلّ بعضهم - وهو سيّدهم ، وهو المولى سبحانه - لسببٍ أو لآخر لا نعرفه ، لم يجعل قوانين على وفق ما حكم به سائر العقلاء ، ولو لكونه قد اكتفى بحكمهم في توجيه أنفسهم إلى كمالهم ، فكيف يُراد الاستدلال هنا بمثل هذه المقاربة ؟ ! هذا إذا لم نقل بما ذهب إليه السيّد الصدر من أنّ انبعاث العقلاء لجعل حكمٍ ، إنّما هو باعتبار وقوع ذلك في سياق مصالحهم وتنظيم أمورهم ، فيما الله سبحانه خارج عن دائرة تلك المصالح ، فأيّ مُلزم له لأن يحكم بأحكامهم وتشريعاتهم ؟ « 1 » . وهذا الكلام كلّه بصرف النظر عن الاستدلال بقاعدة اللطف ، فانتبه . وبهذا ظهر عدم صحّة الاستدلال بالحسن والقبح الذاتييّن مع قانون الملازمة ، على الشمول التشريعي . 4 - مرجعيّة الملازمة بين الحكم الشرعي والمصالح والمفاسد الواقعيّة إذا غضضنا الطرف عن فكرة الحسن والقبح الذاتيّين ، لنذهب خلف فكرة المصالح والمفاسد الواقعيّة في الأفعال ، فإنّه يمكن تصوير الشمول التشريعي عبر القول بأنّ الأفعال لا تخلو من المصالح والمفاسد ، وحيث إنّ الله تبارك وتعالى عالمٌ بكلّ المصالح والمفاسد ، فلابدّ أن تكون لديه إرادة وكراهة لهذه الأفعال تبعاً لذلك ؛ بالملازمة بين العلم بالمصلحة والإرادة ، وبين العلم بالمفسدة والكراهة ، وبهذا يتمّ الشمول التش - ريعي عبر هذه الطريقة العقليّة من

--> ( 1 ) انظر : بحوث في علم الأصول 4 : 138 - 139 .